بعد

دخل أبويا الأوضة وخطواته بتهز البلاط القديم، وشه اللي كان مرسوم عليه التعب والشقاء اتحول لكتلة من الغضب المكتوم. بص للبيبي اللي نايم في سريره، وبعدين بصلي وقال بصوت هادي بس قوي زي الرعد:

“امسحي دموعك يا صابرين.. اللي يهدد بفقر الناس يبقى هو اللي عريان من الرجولة، والصاوي مبينحنيش لفلوس حد.”

مكملناش ساعة، وسمعنا صوت كلاكيت عربية “كيا سبورتيدج” عالي ومستفز تحت البيت، وبعدها رزع باب عالي على السلم وصوت خطوات تقيلة بتقتحم المكان. الباب اتفتح تلت فتحة ودخل معتز وهو لابس نضارته الشمسية، وحاطط إيده في جيبه، وباصص لسقف الشقة المقشر بقرف.. وورا منه كانت واقفة أخته شيريهان، بتبص للحوائط وتلوي بوزها وهي ماسكة الآيفون بتاعها كأنها خايفة تلمس حاجة في البيت.

معتز قال بنبرة كلها تكبر وقسوة:

“جرى إيه يا حاج صاوي؟ سيبناكم كام ساعة تفكوا عن نفسكم، قولتوا نعمل حوار؟ يلا يا صابرين لمي هدمك وهاتي الواد، مش فاضيين للمشاوير دي، ورانا حجز في النادي بالليل.”

أبويا كان قاعد على الكرسي الخشب، مقامش من مكانه، ولا حتى اتزحزح. فض العِمامة بتاعته براحة وهو باصص للأرض، وقال ببرود قاتل:

“أنت داخل بيت الصاوي ومفكر نفسك داخل زريبة يا معتز؟ فين خطوة السلام؟ وفين الأصول اللي أهلك معلمهالكش؟”

معتز ضحك بسخرية وبص لأخته وقال:

“أصول إيه يا حاج؟ الأصول دي لما نكون بنتكلم مع حد من مقامنا.. أنا جيت هنا عشان متبهدلش في المحاكم وأنا راجل أعمال وعندي براند، وأنت راجل على قد حالك ومش حمل مصاريف ولا محامين، فـ قصر الكلام وخلّي بنتك تقوم تلم حاجتها بدل ما أزعلكم.”

هنا.. شيريهان أخته اتدخلت وقالت بلوية بوز:

“وبعدين يا أبيه المكان هنا يكتم النفس، خلينا نمشي، وماما مستنيانا في العربية تحت مش راضية تنزل عشان السلم مش نضيف.”

في اللحظة دي، أبويا وقف.. وطوله كان هيبة زي النخلة. قرب من معتز بخطوات خلت معتز يرجع خطوة لورا من الخضة. بص في عينه وقال بصوت جهوري هز جدران البيت:

“المكان اللي مش عاجبك وعاجب أختك وأمك ده، طلع ستات ورجالة بجد.. الست اللي رمتها في الشارع وهي بنزيفها ووجعها، دي ضفرها برقبتك ورقبة عيلتك اللي متعرفش يعني إيه شرف الأصول.”

معتز وشه احمر وحاول يعلي صوته:

“أنت بتغلط فيا وفي أهلي يا راجل يا…”

قبل ما يكمل كلمته، أبويا رفع إيده وصوب صباعه في وش معتز وقال بحسم يقطع النفس:

“اخرس خالص.. صوتك ميعلاش في بيتي.. أنت جاي هنا تظأطط بفلوسك وعربيتك الزيرو؟ الفلوس دي تشتري بيها ناس شبهك، لكن متشتريش بيها ضفر بت الصاوي. بنتي مش راجعة معاك، وابنها في حضنها، وأعلى ما في خيلك وخيل عيلتك اركبه.. المحاكم اللي بتهددني بيها أنا هسبقك ليها، ولو هبيع عربيتي النص نقل اللي باكل منها عيش عشان أصرف على القضية، مش هسيب حق بنتي.”

معتز اتراجع لورا وهو بيحاول يداري كسفته قدام أخته، وقال بغل:

“ماشي يا صاوي.. أنت اللي اخترت، وهتشوف هعمل فيك إيه بالوصلات اللي معايا.”

أبويا فتح باب الشقة على الآخر، وشاور بإيده لبرة وقال بكل عزة وجبروت:

“براااا.. اخرج برة بيتي أنت واللاضية اللي معاك دي.. ومشوفش وشك في الشارع ده تاني، وإلا وقسمًا بالله هنسى سني وشيبتي وهعلمك الأصول اللي معرفتش تتعلمها في بيتك.. اطلّع برة!”

شيريهان شهقت من الخوف وشدت أخوها من كم قميصه وهي بتقول: “يلا يا أبيه ده راجل مجنون وهيتبلى علينا”، ومعتز خرج وهو بيبرطم ويهدد وصوته جايب آخر الشارع، ورزع الباب وراه.

أول ما مشيوا، النفس رجع لي تاني.. بصيت لأبويا ودموعي نازلة، بس المرة دي دموع فخر.. قومت وبست إيده ورأسه، وهو طبطب عليا وقال: “م تخافيش يا صابرين، طول ما فيا نفس، مفيش كلب هيلمسك.”

لكن وأنا قاعدة، كان قلبي مقبوض.. معتز مش هيسكت، والتهديد بالوصلات والمحاكم كان حقيقي، والجرام والمكر اللي في عيلته هيبدأ يظهر في الأيام الجاية..

 

بعد ما معتز وأخته نزلوا وصوت عربيتهم اختفى من الشارع، ساد السكون في البيت، بس كان سكون مليان قلق. قعد أبويا على الكرسي وهو بيلهث من العصبية، حاطط إيده على جبهته بيفكر. أنا كنت عارفة إن معتز نِدل، والندل لما يتزنق في كرامته بيعض، وتهديده بالوصلات والمحاكم مكنش كدب، هو فعلاً كان ماضي أبويا على وصل أمانة كـ “ضمان” وقت تجهيز الجواز، وأبويا على نياته مكنش يتخيل إن الندالة هتوصل بيه لدرجة يلوى دراع راجل شيبته في السوق.

أمي قربت من أبويا وهي بتفرك في إيديها بخوف:

“وهنعمل إيه يا صاوي؟ معتز واصل، وعيلته ناس مريشة ومعاهم فلوس المحامين، وإحنا غلابة ومحيلتناش غير الستر، لو عمل بالوصل ده حاجة، أنت هتروح مني يا أبو صابرين!”

أبويا رفع راسه، وعينه كان فيها لمعة غريبة.. لمعة راجل افتكر إن الدنيا لسه فيها سند وضهر. سكت شوية، وبعدين مد إيده في جيب جلبابه وطلع تليفونه الزراير القديم، وبدأ يقلب في الأسماء لحد ما وقف عند اسم “ابن عمي، الحاج مرسي”.

مرسي ده كان ابن عم أبويا اللزم، من كبارات العيلة في الصعيد، وربنا فتحها عليه وعلى أولاده. ابنه الكبير “طارق” شاب زي الورد، متعلم في أعلى المدارس وناجح في مجال المقاولات والشركات، وكلمته مسموعة وليها وزنها في البلد وعند الأكابر، وراجل واصل وضهره محمي باسم عيلته وشغله النضيف.

أبويا داس اتصال، وحط التليفون على ودنه، ووداننا كلنا كانت مع الرنة..

“ألو.. السلام عليكم، إزيك يا ابن عمي يا مرسي؟”

جه صوت الحاج مرسي من الناحية التانية، صوت كله أصالة وترحاب:

“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! يا مرحب ب ريحة الغاليين، إزيك يا صاوي يا ابن عمي؟ عامل إيه وأخبارك إيه في البندر؟”

أبويا مِسك التليفون بإيدين الاتنين، وصوته لأول مرة يتهز ويطلع فيه نبرة رجاء ووجع:

“الحقني يا ابن عمي.. الحقني يا مرسي، دمي مستباح في الغربة، وفي نِدل استضعفني عشان طالع لوحدي في القاهرة، وعاوز يكسرني في بنتي ويحبسني بفلوسه.”

الدنيا سكتت على الخط ثانية واحدة، وفجأة سمعنا صوت الحركة عند الحاج مرسي، وصوته اتحول لجدية وصارمة:

“جرى إيه يا صاوي؟! مين ده اللي عاش ولا كان اللي يكسر ابن عمي أو ييجي على حُرمة بيته؟ قولي في إيه والدموع دي سببها إيه؟”

أبويا حكى له حكاية صابرين من أول يوم الولادة ورميتها في الشارع، لحد تهديد معتز بالوصل والمحاكم واقتحامه للبيت وقِلة أدبه. وأنا واقفة وسامعة أبويا وهو بيحكي وبيمسح دموعه بطرف شاله، قلبي كان بيتقطع.

الحاج مرسي مكملش الحكاية، وقال لأبويا بالحرف:

“اقفل يا صاوي.. اقفل، خطك مش هيفصل، دقيقة واحدة وهتلاقي طارق ابني بيكلمك.. طارق في القاهرة وعنده مكاتبه هناك، وهو اللي هيتولى الحوار ده، ووريني بقى المحاكم والفلوس دي هتعمل إيه مع شركات الصاوي للمقاولات.”

فعلاً، مفيش دقيقتين، وتليفون أبويا رن برقم غريب.. أبويا فتح الخط وجاله صوت شاب، بس صوت فيه هيبة وثقة تزلزل جبال، صوت “طارق” ابن عمه:

“يا مرحب يا عمي صاوي.. حمد الله على سلامة بنت عمي صابرين، وألف مبروك للمولود الجديد، يتربى في عزكم وعز عيلة الصاوي.”

أبويا صوته اتهدج وقال: “الله يبارك فيك يا ابني، بس يا طارق..”

طارق قاطعه بأدب جم وفي نفس الوقت بحسم شديد:

“عمي.. أنا سمعت من أبويا كل حاجة. ارفع راسك فوق ومتشيلش للدنيا هم. الفلوس اللي معتز ده فاكر نفسه بيها راجل، أنا هعرفه إنها متشتريش حتى تمن حبر القلم اللي هيمضي بيه على نهايته. الوصل اللي بيهددك بيه؟ اعتبره اتحرق. والمحاكم؟ أنا معايا جيش مستشارين وقانونيين تحت إيدي، ومن بكرة الصبح هقلب التربيزة فوق دماغه ودماغ عيلته. عاوزك ترتاح، وتطمن بنت عمي، وتقول لها إن ضهرها بكرة هيكون واقف قصاد الكل.”

طارق سكت ثانية، ونبرة صوته بقت حادة ومرعبة:

“أنا هعرفه إزاي يدخل بيوت الأحرار ويهدد.. مسافة السكة يا عمي، وأنا هكون عندك في البيت عشان ننزل سوا نعلّمه الأصول على مية بيضا.”

قفل طارق السكة، ولأول مرة من تلات سنين، حسيت إن النفس بيدخل صدري بجد.. الغرور والفلوس اللي كان معتز وأهله بيذلوني بيهم، ظهر قصادهم جبل حقيقي من الهيبة والجاه والرجولة.

بس معتز مكنش يعرف إن اللعبة اتغيرت، وكان لسه بيجهز ضربته الأولى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *