الطفل

الطفل ده عنده نفس عيونك
همست حبيبتي الولد الصغير ده عنده نفس عيونك يا كريم… ثم أضافت بصوت أخفض وده لسه منادي مراتك السابقة ماما!
كانت كلماتها هادئة، لكنها وصلت لقلبي أعلى من صوت المحرك، وأعلى من ضحكات الناس على اليخت وهو بيغادر مارينا العلمين متجه للبحر المفتوح.
لفّ كريم رأسه بسرعة، وبصّ للسطح العلوي… وشاف طفل صغير بيجري ويرتمي في حضن ست هو ما شافهاش من خمس سنين. ليلى سامي… كانت زوجته. كانت لابسة زي رسمي أنيق بالأبيض والكحلي، واضح إنها مسؤولة عن خدمة الضيوف على اليخت. شعرها البني مربوط بدقة، وملامحها مختلفة تمامًا عن آخر مرة شافها فيها… البنت القلقة اللي كان يعرفها اختفت، وحلت مكانها ست قوية، واثقة، فيها هدوء غريب خلّى كريم يحس إنه بيبص على صورة قديمة… بس الزمن غيّرها.
الرحلة دي كان المفروض تبقى بداية جديدة. نورا اللي كانت سكرتيرته وبقت شريكته خططت لكل حاجة بنفسها. وكانت بتلمّح للجواز أكتر من مرة… وكريم ما وعدش صراحة، لكنه ما نفاش الفكرة. كان دايمًا بيقول لنفسه إنه مستني الوقت المناسب… لكن الحقيقة اللي كان بيهرب منها، إن جزء جواه عمره ما فهم ليه ليلى سابته ومشيت.
انتهى جوازهم بعد شهور من الخلافات والأسئلة اللي ما كانش لها إجابات. ليلى مضت على الطلاق من غير ما تطلب فلوس، ولا بيت، ولا حتى نصيب في شركته. وسابت القاهرة واختفت كأنها ما كانتش موجودة. ودلوقتي… كانت واقفة قدامه، على بعد أمتار قليلة، ومعاها طفل… طفل عنده نفس عيونه الرمادي المائل للأزرق… ونفس الغمازة اللي بتظهر في خده لما يتوتر.
ليلى لاحظت إنه بيبص لها. شدت ملامحها شوية… لكنها ما بعدتش نظرها. قرب كريم بخطوات بطيئة. ليلى؟ أهلاً يا كريم. الولد كان ماسك إيدها بقوة. سألها بصوت متردد ده ابنك؟ ردت بهدوء أيوه. بصّ للطفل كويس… عنده كام سنة؟ سكتت لحظة… كأنها بتديله وقت يفهم قبل ما تقول. تم خمس سنين في شهر إبريل.
وصلت نورا جنب كريم، ومسكت دراعه يلا يا كريم، الغدا جاهز تحت. لكن هو ما سمعش. الطفل كان وقع لعبة مركب خشب صغيرة… انحنى كريم يجيبها… وساعتها شاف حاجة خلّت قلبه يقف. بوصلة فضة معلّقة في رقبة الطفل. قربها من عينه… وشاف خدش صغير على طرفها… ونقش محفور على ضهرها لما الطريق يضيع… هعرف أرجعلك. دي كانت هديته لليلى في عيد جوازهم التاني. وقف ببطء، وصوته خرج تقيل البوصلة دي كانت بتاعتي. ليلى حطت إيدها على كتف الطفل دلوقتي بقت بتاعة عمر. ليه؟ قبل ما ترد… الطفل رفع عينه وبص لكريم ببراءة ماما قالت إن بابا اداهالها… قبل ما يعرف إني موجود. سكتت ليلى… وقفلت عينيها. إيد نورا ارتخت من على دراع كريم… وفي اللحظة دي… كل حاجة كانت مخططة للرحلة دي انتهت. ما بقاش فيه عشا رومانسي.. ولا كلام عن جواز… ولا حتى ماضي انتهى. لأن في سنين ضايعة… كان فيه ابن ما كانش يعرف عنه حاجة… وستين… واضح إنهم كانوا عارفين أكتر بكتير مما قالوا.
يتبع…
وقف كريم مكانه وكأن الأرض سُحبت من تحته. كلمات الطفل كانت بسيطة لكنها ضربته في عمق قلبه. بابا اداهالها قبل ما يعرف إني موجود. يعني كان فيه طفل ابنه وهو ما كانش يعرف. بلع ريقه بصعوبة، وبصّ لليلى بعينين مليانين أسئلة إنتي كنتي حامل؟ ليلى فتحت عينيها ببطء، وفي نظرتها كان فيه تعب سنين أيوه عرفت بعد ما سبتك بأسبوع. شدّ كريم على إيده بعصبية ولية ما قولتيش؟! نزلت بنظرها للأرض لحظة، وبعدين رفعتها بثبات كنت عايز أقول بس كل حاجة كانت بتقول لي إنك مش عايز تسمع. مش عايز أسمع؟! ده ابني! وقتها ما كنتش شايف غير شغلك وشركتك ونورا. سكتت لحظة، وبصت لنورا اللي كانت واقفة متجمدة مكانها فاكر آخر خناقة بينا؟ لما قلتلي إني بقيت عبء عليك؟ اتجمدت ملامح كريم لأنه فاكر. فاكر كويس. اليوم اللي خرجت فيه ليلى من البيت وهو ما حاولش حتى يوقفها.
رجع بص للطفل عمر كان واقف ماسك في إيد أمه، لكن عينه على كريم، كأنه بيحاول يفهم هو مين. ركع كريم قدامه ببطء وصوته خرج مكسور اسمك عمر؟ هز الطفل راسه أيوه. عندك كام سنة؟ خمسة. ابتسم ابتسامة صغيرة نفس الابتسامة اللي كان بيعملها كريم وهو صغير. مدّ كريم إيده بتردد لكنه وقف قبل ما يلمسه. مش عارف من حقه ولا لأ. فجأة، عمر قرب خطوة وسأله ببراءة إنت تعرفني؟ السؤال كان زي سكينة. رد كريم بصوت واطي أنا كنت المفروض أعرفك من زمان. في اللحظة دي، صوت نورا قطع الهدوء كريم إحنا لازم ننزل دلوقتي. بص لها بس المرة دي كان بيشوفها بشكل مختلف. مش شريكة حياته لكن جزء من قصة هو بدأ يشك فيها. قال بهدوء انزلي إنتي أنا جاي بعد شوية. اتوترت ملامحها يعني إيه؟ هتسيبني لوحدي؟ ما ردش. كان كل تركيزه على ليلى وعلى الطفل.
قرب منها خطوة، وصوته بقى أهدى لكن أخطر إيه اللي حصل في الخمس سنين دول يا ليلى؟ وإيه اللي إنتي مخبياه تاني؟ ليلى أخدت نفس عميق واضح إنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين. وقالت بصوت ثابت مش أنا بس اللي مخبية وبصت لنورا مباشرة. فيه حاجات كريم لازم يعرفها عنك إنتي كمان. سكتت الدنيا لحظة. وقلب كريم بدأ يدق أسرع لأن الحقيقة لسه ما ظهرتش كلها.
يتبع
اتسعت عيون نورا، وظهر ارتباك واضح على ملامحها لأول مرة. أنا؟! أنا مالي؟ قالت بسرعة وهي بتحاول تضحك، لكن صوتها كان مهزوز. ليلى ما ابتسمتش بالعكس، كانت هادية بشكل مريب. فاكر يا كريم اليوم اللي وصلتلك فيه ورقة الطلاق بسرعة غريبة؟ قالتها وهي بتقرب خطوة. كريم عقد حواجبه أيوه المحامي قال إنك مستعجلة. هزّت ليلى راسها ببطء أنا ما كنتش مستعجلة أنا كنت متضغطة. سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة نورا هي اللي رتبت كل حاجة. سكت المكان حتى صوت البحر بقى كأنه بعيد. لفّ كريم رأسه لنورا ببطء بتقول إيه؟ نورا ضحكت ضحكة قصيرة كلام فارغ دي بتحاول توقع بينا وخلاص. لكن ليلى كملت بدون ما تبص لها هي اللي كانت بتبعتلي رسايل من رقم مجهول تقوللي إنك بتخوني، وإنك ناوي تطلقني وإن الأفضل أمشي قبل ما تتفضح. اتشدّ جسم كريم كله إيه الكلام ده؟! بصت له ليلى بعينين مليانين ألم وفي نفس الوقت كانت بتقولك إني أنا اللي عايزة أسيبك وإن عندي حد تاني. الصمت بقى تقيل جدًا. نورا بدأت تتوتر بوضوح كريم ما تسمعش للكلام ده، دي اسكتي! صرخ فيها لأول مرة. صوته كان عالي لدرجة خلت عمر يمسك في إيد أمه بخوف.
قرب كريم من نورا خطوة، وعينه فيها شك عمره ما حسه قبل كده الكلام ده حقيقي؟ اتأخرت لحظة في الرد لحظة واحدة بس لكن كانت كفاية. كريم رجع خطوة لورا كأنه اتطعن. يعني كل ده كان لعبة؟ نورا حاولت تمسك دراعه أنا عملت كده عشانك! عشان كنت شايفة إنها مش مناسبة ليك! بعد دراعه عنها بعنف وبإنك تفرقينا تبقي مناسبة؟! سكتت وما لقتش رد.
في اللحظة دي، ليلى فتحت شنطة صغيرة كانت شايلها، وطلعت منها ظرف قديم، متني من كتر الزمن. مدّته لكريم ده كان المفروض يوصلك من خمس سنين. فتح الظرف بإيد مرتعشة كان فيه جواب مكتوب بخط ليلى. بدأ يقرأ كريم أنا حامل. وقف قلبه للحظة. كمل كنت ناوية أقولك بنفسي، لكن اللي سمعته خلى عندي خوف إني أكون لوحدي أو إنك ترفض الطفل سامحني إني مشيت، بس ما قدرتش أخاطر بابني. نزلت إيده ببطء وبص لليلى بعينين فيها ندم عمره ما حس بيه قبل كده. كنت هقبل كنت هكون موجود دمعة نزلت من عين ليلى بهدوء بس إنت ما كنتش موجود أصلاً. سكت لأنه عارف إنها عندها حق.
فجأة عمر شد في هدوم كريم بخفة. بص له كريم وقال الطفل بهدوء إنت زعلان ليه؟ ابتسم كريم وسط ألمه وركع قدامه تاني عشان ضيعت وقت كبير كان المفروض أكون فيه معاك. عمر فكّر شوية وبعدين قال طب خلاص نبدأ دلوقتي. الجملة كانت بسيطة لكنها كانت أقوى من أي حاجة. بص كريم لليلى وفي عينيه سؤال واضح ممكن؟ ليلى سكتت لحظة وبعدين هزّت راسها ببطء هنشوف. أما نورا فكانت واقفة لوحدها لأول مرة برا الصورة.
النهاية المؤقتة أم بداية جديدة؟
وقفت نورا مكانها، ملامحها بتنهار واحدة واحدة بس المرة دي، كريم ما كانش بيبصلها بحيرة كان بيبصلها ببرود مرعب. سألها بصوت هادي إنتي فاكرة إن الموضوع خلص كده؟ ارتبكت يعني إيه؟ أنا قلتلك عملت كده عشان قاطعها عشان مصلحتي؟ ولا عشان مصلحتك؟ سكتت. ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها ما كانتش مريحة أنا كنت شاكك في حاجات من فترة بس كنت مكذب نفسي. مدّ إيده وطلع موبايله وضغط على تسجيل. وفجأة صوت نورا طلع واضح خليه يطلقها وبعدها كل حاجة هتبقى لينا. اتسعت عيونها إنت سجلتلي؟! رد بهدوء مش أنا بس.
في اللحظة دي، اتفتح باب اليخت ودخل راجلين ببدل رسمية. ليلى قالت بهدوء الأستاذ كريم قدّم بلاغ من شهر لما بدأ يشك إن في حد بيتلاعب بحياته. كريم كمل وهو بيبص لنورا كل تحويلات الفلوس، كل الرسايل المجهولة، وحتى الرقم اللي كنتي تستخدميه كله متوثق. بدأ صوتها يعلو ده ظلم! إنت مش فاهم فاهم كويس. قالها بحدة. قرب خطوة، وصوته بقى أوضح إنتي ما دمرتيش جوازي بس إنتي حرمتيني من ابني خمس سنين. سكتت ودموعها نزلت، لكن المرة دي ما كانش فيها تعاطف. الضابط قال بهدوء مدام نورا، لازم تيجي معانا. حاولت تبص لكريم كأنها مستنية منه ينقذها لكنه ما اتحركش. ولا حتى رمش. اتاخدت نورا قدام عيون الكل والمرة دي، هي اللي خرجت من حياته من غير رجوع.
سكت المكان شوية وبعدين كريم لفّ ناحية ليلى وعمر. ركع قدام ابنه وبص له بعينين فيها وجع بس فيها أمل. ممكن نبدأ من الأول؟ عمر ابتسم وقال ببساطة بس ما تتأخرش تاني. ضحك كريم وسط دموعه وشده في حضنه. ليلى كانت واقفة بتراقب وقلبها لسه حذر لكن لأول مرة من سنين حسّت إن العدل أخد مجراه. والبحر كان هادي كأنه بيشهد على نهاية ظلم وبداية حكاية جديدة.
النهاية حكايات محمد عبده
