وأنا

“وأنا واقفة ورا باب أوضة العمليات، سمعت جوزي يقول للدكتور: «لما تنام… شيلولها الرحم».

في اللحظة دي، وقفت مكاني ومقدرتش أصرخ… ولا أعيط… …… وقتها عرفت إن اللي كنت فاكراه زوجي… كان عايز يقت*لني وإن فى سر اكبر من كده جوزى مخبيه..”

الجزء الأول

 

“لما مراتي تنام تاني، شيلولها الرحم؛ أنا مش عايزها تحمل أبدًا.”

 

سمعت الجملة دي وأنا واقفة في طرقة المستشفى، لسه لابسة ترينج المستشفى المفتوح من الظهر، رجلي مش شيلاني، وجسمي كله بيترعش من صدمة نزيف وإجهاض ابني. الصوت ده كان صوت حازم الهواري، جوزي.. الراجل اللي حلف لي قدام المأذون ويوم فرحنا إنه هيشيلني في عينيه ويحميني حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدنا.

 

وقفت متثبتة في مكاني ورا الباب الموارب. الدكتور مردش عليه، فحازم وطى صوته شوية، بس مش لدرجة إني مسمعهوش:

 

— اتصرف واكتب أي تشخيص.. سرطان، خطورة على حياتها، أي حاجة! المهم تعمل العملية، ومن غير ما مريم تحس بأي حاجة.

 

“مريم” دي كانت أنا.

 

في اللحظة دي ظهرت نيرمين، المذيعة والإنفلونسر اللي شغالة في شركة “الهواري ميديا” اللي يملكها جوزي. كانت لابسة فستان أبيض ضيق، وإيدها ساندة على بطنها المنتفخة حاجة بسيطة.. لسه في أول شهور الحمل. حازم قرب منها وخدها في حضنه بحنية وعطف عمري ما شفتهم منه مؤخرًا، حنية خلاص مبقتش ملكي.

 

— دي بقى مراتى التانيه عايزكم توفروا لها أحسن برنامج متابعة حمل وتوليد في المستشفى هنا — حازم قال للدكتور وهو بيشاور على نيرمين — الطفل ده هو اللي هيبقى سليل عيلة الهواري والوريث الوحيد لكل أملاكي.

 

حسيت إن الأرض بتلف بيا وبتنشق تبلعني. مدمعتش.. ولا حتى صرخت. رجعت أوضتي في صمت رهيب، بهدوء بارد ومخيف لدرجة إني أنا نفسي اتخضيت من نفسي. على التربيزة اللي جنب السرير، كان فيه بوكيه ورد حازم بعتهولي، ورد أبيض معاه كارت مكتوب فيه: “أنا وإنتي ضد الدنيا كلها يا حبيبتي”.

 

حسيت بغثيان ورغبة شديدة في القيء.

 

دخلت الممرضة وهي مبتسمة، ومكنتش تعرف إني لسه سامعة حكم إعدامي بوداني:

 

— مدام مريم، إنتي محظوظة بجد.. الأستاذ حازم حجز الدور كله عشان راحتك، ومفارقش المستشفى ولا دقيقة. أول ما البيبي نزل، قعد يعيط زي الأطفال.. بجد قليل لما تلاقي راجل بيحب مراته بالشكل ده في الأيام دي.

 

بصيت من الشباك على شوارع القاهرة الزحمة.. الدنيا برة كانت ماشية وعايشة عادي، ومفيش حد فارق معاه، في نفس الوقت اللي كان فيه جوازي بيتدبح ويتصفى دمه من غير ما يعمل أي صوت.

 

بعد كام دقيقة، حازم دخل الأوضة وهو باين عليه الخضة والارتباك. أول ما شافني صاحية، جري عليا وخدني في حضنه:

 

— كنتي فين؟ أنا كنت هتجنن! افتكرت حصلك حاجة أو جرى لك حاجة برة الأوضة.

 

الخوف اللي في عينيه كان يبان حقيقي وصادق جداً.. وده كان أقذر وأبشع جزء في اللعبة كلها.

 

كان شايل في إيده كباية فيها دوا لونه غامق، وقربها من شفايفي:

 

— اشربي ده يا حبيبتي، هيريحك ويخليكي تخفي بسرعة. لسه قدامنا العمر طويل ونقدر نحاول نخلف تاني وتجيبي لي حتة عيل من صلبك.

 

“نحاول”.. الكلمة دي دخلت في قلبي زي الس*كينة التلمة.

 

— مش عايزة — قلتها بنبرة ناشفة.

 

عينه اسودت وملامحه اتغيرت لثانية واحدة بس، وبعدين رجع يبتسم:

 

— مريم، بلاش عناد.. إنتي طول عمرك نفسك تخلفي وتجيبي لي الولد اللي يحمل اسمي.

 

خطفت الكباية من إيده ورميتها بكل عزمي في الحيطة. الكباية اتدشدشت والدوا الغامق نزل وساب بقعة سوداء كبيرة على البلاط الأبيض النضيف.

 

— قلت مش عايزة!

 

حازم أخد نفس طويل وعميق عشان يسيطر على غضبه، وبص للممرضة اللي واقفة:

 

— سبينا لوحدنا لو سمحتي.

 

دي كانت آخر حاجة فاكراها قبل ما أحس بشكة إبرة قوية في دراعي.. الأوضة بدأت تلف بيا، ووش حازم بدأ يتمط ويبقى مش واضح، والضلمة بلعتني تماماً.

 

لما فوقت، كانت الشمس طلعت والدنيا الصبح. الوجع اللي في بطني المرة دي كان مختلف.. كان وجع عميق، وجع معاه إحساس بالفضى الشديد جوة جسمي. رفعت الغطا بإيدين بترعش وبصيت.. شفت جرح عملية جديد وخياطة طويلة ومستقيمة عريضة بطول بطني.

 

حازم كان قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، وعينيه حمرا ومورمة من قلة النوم:

 

— حبيبتي.. حصلت مضاعفات خطيرة وإنتي نايمة. الدكاترة اكتشفوا خلايا سرطانية ونشطة في الرحم.. مكنش قدامي حل تاني وكان لازم أمضي على إقرار العملية فوراً عشان أنقذ حياتك ومخسركيش.

 

طلع ملف طبي وتقارير عليها أختام المستشفى والوزارة. كل حاجة كانت متقفلة صح.. كل حاجة كانت باينة قانونية وطبيعية ومفيش فيها غلطة.

 

بس أنا كنت سامعة الحقيقة كاملة بوداني قبل ما أنام.

 

في اللحظة دي، الباب اتفتح ونيرمين دخلت وهي شايلة في إيدها سبت فاكهة كبير ومتزوق، ومبتسمة وداخلة بكل ثقة كأنها جاية تبارك في سبوع مش بتزور مريضة:

 

— صباح الخير.. أنا أسفة لو جيت في وقت مش مناسب، بس قلت لازم أجي أطمن على مدام مريم بنفسي.

 

حازم مطردهاش، ولا حتى اتهز.. كل اللي عمله إنه مسك إيدي وضغط عليها جامد.

 

وتحت الغطا.. وهو بيتظاهر إنه بيواسيني وبيطبطب عليا، كنت حاسة بصوابعه وهي بترتعش من كتر ما كان نفسه يسيب إيدي ويقوم يلمسها هي.

 

ساعتها بس.. عرفت وفهمت إن أبشع حاجة في الدنيا مش إنك تخسري رحمك وحلمك في الأمومة، الأبشع هو إنك تكتشفي إن الجلاد والقاتل بتاعك هو اللي بينام جنبك على سرير واحد كل ليلة.. وهو لسه ميعرفش ولا يتخيل أنا ناوية أعمل فيه إيه بالورقة القانونية اللي معايا…….

 

أنا مريم.. مريم اللي كان المفروض تكون دلوقتي في غيبوبة الموت أو على الأقل مستسلمة لدموعها ومكسورة الجناح زي ما حازم خطط بالملي.

فضلت باصة لنيرمين وهي بتقرب مني بخطوات واثقة، الفستان الأبيض اللي كانت لابساه كان بيبين بطنها اللي لسه مظهرتش قوي، بس كانت ساندة إيدها عليها بحركة مقصودة.. حركة بتقول لي فيها “أنا اللي كسبت”. حازم كان باصص لها بنظرات سريعة وخاطفة، نظرات كلها رعب ليكون فيه تفصيلة تفلت منه وتكشف اللعبة.. مكنش يعرف إن اللعبة اتكشفت خلاص، وإن الورقة اللي تحت مخدتي هي أول مسمار في نعشه.

الورقة دي مكنتش تقرير طبي.. دي كانت “قسيمة جوازي الرسمي” من حازم اللي كان دايماً شايلها في خزنة مكتبه في البيت، واللى قدرت أخدها منه قبل ما نيجي المستشفى بيوم واحد لما شكيت في مكالماته المتأخرة، لكن الصدمة الكبيرة مكنتش في الجواز.. الصدمة كانت في الشروط المكتوبة في قسيمة جوازنا القديمة، شرط حازم نفسه مضى عليه بكامل إرادته يوم فرحنا ومكنش يتخيل إنه هيبقى حبل المشنقة حوالين رقبته.

— ألف سلامة عليكي يا مدام مريم.. بجد قلبي وجعني عشانك، بس الأستاذ حازم عمل الصح.. حياتك أهم من أي عيل — نيرمين قالتها بصوتها الناعم المذيع اللي كله لؤم، وهي بتحط سبت الفاكهة على التربيزة.

بصيت لها وابتسمت.. ابتسامة برود جمدت الدم في عروق حازم.

— الله يسلمك يا نيرمين.. عقبالك لما تقومي بالسلامة وتجيبي “الوريث” اللي حازم مستنيه — قلتها ونبرة صوتي كانت هادية جداً لدرجة خضتهم هما الاتنين.

حازم اتنفض من مكانه، وبص لي وعينيه بتتحرك بسرعة بيني وبين نيرمين:

— مريم.. إنتي.. إنتي عرفتي منين إن نيرمين حامل؟ أنا مكنتش لسه قلتلك!

سندت ضهري على المخدة بالراحة رغم الوجع الرهيب اللي في بطني، وقلت:

— الممرضات في المستشفى هنا صوتهم عالي يا حازم.. وبعدين نيرمين إنفلونسر مشهورة، والكل عارف إنها متجوزة رجل أعمال كبير في السر، مكنتش محتاجة ذكاء يعني.

نيرمين وشها جاب ألوان، وبصت لحازم بحدة كأنها بتلومه إنه مش مسيطر على الموقف، وحازم حاول يداري ارتباخه وقرب مني ومسك كتفي:

— حبيبتي.. إنتي لسه تعبانة من البنج، نيرمين مجرد زميلة في الشركة وجاية بصفة ودية.. ياللا يا نيرمين اتفضلي إنتي عشان مريم ترتاح.

نيرمين خرجت وهي بتضرب الأرض بجزمتها الكعب، وحازم لف ليا وشكله كان مرعوب من الهدوء اللي أنا فيه:

— مريم.. إنتي مصدقاني صح؟ الدكاترة هما اللي قالوا..

قاطعته بإيدي:

— مصدقاك يا حازم.. ومقدرة جداً إنك أنقذت حياتي. أنا بس عايزة أخرج من هنا، مش بحب قعدة المستشفيات.

بالفعل، خلال يومين اتكتب لي على خروج. حازم كان بيعاملني كأنني حتة زجاج خايف عليها تتكسر، بيشيلني ويسندني ويأكلني بإيده.. وكل لمسة منه كانت بتخليني عايزة أصرخ من القرف، بس كنت كاتمة في قلبي.

أول ما وصلنا الفيلا بتاعتنا في التجمع، حازم أصر إنه يدخلني الأوضة ويريحني، وسابني ونزل الشركة عشان “يخلص شغل مهم” زي ما قال، بس أنا كنت عارفة إنه رايح لنيرمين يطمنها ويهديها.

بمجرد ما قفل باب الفيلا ورا ظهره، قمت من السرير بكل وجعي. فتحت الدولاب وطلعت الورقة.. قسيمة جوازنا. في ظهر القسيمة، كان فيه بند حازم وافق عليه زمان لما كان لسه بيبدأ شركته ومكنش حيلته غير قرشين ورثهم عن والده، وكان محتاج اسم عيلتي وعلاقات بابا الله يرحمه عشان يكبر. البند كان بيقول: “في حال قيام الزوج بأي إجراء طبي أو تصرف يضر بسلامة الزوجة الجسدية أو يمنعها من الإنجاب عمداً، أو في حال زواجه بأخرى دون علمها، تؤول نصف أسهم شركة (الهواري ميديا) والعقارات المملوكة له باسم الزوجة فوراً كتعويض غير مشروط”.

حازم كان فاكر إنه قفل اللعبة لما زور التقارير الطبية وكتب إن الموضوع “سرطان”، ومكنش يعرف إن الدكتور اللي عمل العملية غبي.. وساب خيط يوديهم كلهم في داهية.

طلبت رقم نمرة موبايل غريبة، نمرة دكتور شغال في نفس المستشفى، بس مكنش من طقم حازم.. دكتور شاب كنت شفته بالصدفة بيتخانق مع الممرضة في الطرقة وبيقول لها “المهزلة اللي بتحصل في أوضة العمليات دي أنا مش هسكت عليها”.

— ألو.. دكتور يوسف؟

— أيوة.. مين معايا؟

— أنا مريم.. مريم الهواري. الحالة اللي اتعمل لها استئصال رحم من يومين في المستشفى عندك.

الخط قطع لثواني، وبعدين سمعت صوت أنفاسه السريعة:

— مدام مريم؟ إنتي كويسة؟ أنا.. أنا حاولت أمنعهم، بس جوزك والمدير جابوا تقارير متقفلين عليها جاهزة من برة المستشفى!

— أنا عارفة كل حاجة يا دكتور.. وعارفة إن الرحم بتاعي سليم ومكنش فيه سرطان.. أنا محتاجة مساعدتك، ومستعدة أدفع لك اللي تطلبه عشان أثبت الج*ريمة دي.

— أنا مش عايز فلوس يا مدام مريم، أنا ضميري صاحي ومش هسيب المافيا دي تكمل.. بس إنتي مش عارفة جوزك مخبي إيه تاني.. الموضوع أكبر من مجرد وريث ونيرمين.. حازم الهواري بيغسل أموال عن طريق عمليات المستشفى دي، والرحم بتاعك مكنش المقصود بيه الخلفة وبس.. فيه سر تاني في التحاليل بتاعتك هما كانوا مرعوبين منه!

في اللحظة دي، سمعت صوت عربية حازم برة الفيلا.. وصوت مفاتيحه وهي بتفتح الباب الخارجي.

دمي اتجمد.. وحسيت إن الوجع رجع لبطني أقوى من الأول.

— دكتور يوسف.. حازم جه.. هكلمك تاني.

قفلت السكة بسرعة وحطيت الموبايل تحت السرير، ورجعت نمت على السرير وغمضت عيني وعملت نفسي نايمة. الباب اتفتح، ودخل حازم.. بس المرة دي مكنش لوحده. كان بيتكلم بصوت واطي جداً مع حد على الموبايل وهو بيقرب من السرير:

— أيوة يا باشا.. البنت نايمة ومفيش أي شك.. التحاليل القديمة بتاعتها اتعدمت خلاص، ومحدش هيعرف إن فصيلة دمها والنخاع بتاعها هما المطابقين للزبون.. إحنا شيلنا الرحم عشان نضمن إن جسمها يضعف وتفضل تحت إيدينا هنا في الفيلا ومتحاولش تسافر أو تبعد.. الخطوة الجاية إمتى؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *