جوزي2

جوزي راح يصطاد مع أخوه.. ومن يومها ما رجعش. وبعد سنة كاملة، بنتي الكبيرة جت قالتلي: “يا ماما، لقيت جاكيت بابا في بيت عمي “شريف”.. وشوفي إيه اللي كان في جيبه.”

أنا وجوزي “جمال” عندنا 3 بنات، وعشان كدة لما أخوه “شريف” اقترح عليه يطلعوا رحلة صيد هما الاتنين، ما شفتش فيها أي مشكلة.

جمال كان طاير من الفرحة، ووعدني إنه هيرجع يوم الأحد بالليل بحكايات وصور، ولو ربنا كرمه، يرجع بسمكتين نعملهم عشا.

بس جمال مرجعش.

بعد يومين، “شريف” ظهر قدام بيتنا ومعاه اتنين ظباط، وشه كان أصفر ومخطوف، وبصوت مكسور قال:

— “جمال اختفى.. صحي بدري عشان ينزل يصيد وأنا كنت لسه نايم، وفجأة قامت عاصفة. ولما قمت أدور عليه.. مكنش له أثر.”

حسيت إن الدنيا بتنهار فوق دماغي.

قعدنا أيام والشرطة ورجال الإنقاذ بيقلبوا الغابة حتة حتة، والغطاسين نزلوا البحيرة أكتر من مرة.. ومفيش فايدة، ملقوش أي حاجة خالص.

الظباط طلعوا نظريات كتير، بس الأرجح إن جمال اتزحلق في العاصفة ووقع في المية والتيار سحبه. وبعد سنة من غير أي خيط يوصلنا لحاجة.. اتعلن رسمياً إنه “ميت”.

الناس كلها بقت تقولي “لازم تعيشي حياتك وتنسي”، بس كان في حاجة جوايا مش مقتنعة. جمال كان حريص زيادة عن اللزوم، ده كان بيشوف حالة الطقس قبل ما ينزل يجيب العيش! إزاي ممكن مياخدش باله إن في عاصفة جاية؟

و”شريف” كان طول الوقت بيزن على وداني:

— “جمال مش هيرجع يا سمر.. لازم تتقبلي الواقع.”

حاولت أتقبل، عشان خاطر بناتي.. لحد ما كل حاجة اتغيرت.

في يوم كان ورايا مشاوير كتير، فسبت البنات كام ساعة عند “شريف”. ولما رجعت خدتهم ورحنا البيت، بنتي الكبيرة “لوجي” جت عليا على طول وفتحت شنطتها، وطلعت جاكيت رجالي.

نفسي وقف.. ده كان جاكيت “جمال”، نفس الجاكيت اللي كان لابسه يوم ما سافر، واللي كنا فاكرين إنه كان لابسه وقت ما وقع في البحيرة.

لوجي دخلت إيدها في جيب الجاكيت وقالتلي:

— “ماما.. أنا لقيت جاكيت بابا في بيت عمو شريف، وشوفي إيه اللي كان جوه هنا.”

طلعت موبايل قديم.. عرفته في ثانية. ده كان موبايل “شريف” القديم، اللي بقاله 5 سنين بيقول إنه ضيعه!

من غير ما أفكر، إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه.. الموبايل اشتغل.

قلبي كان بيدق زي الطبلة لما فتحت “الاستوديو” بتاع الصور.. مكنش فيه غير صورة واحدة بس.

صورة واحدة، اتصورت بالظبط يوم ما “جمال” اختفى.

ركبي سابتني ووقعت على الأرض، وبصيت في الشاشة وهمست بصوت مبحوح:

— “لأ.. مش ممكن.”

الدموع بدأت تنزل زي المطر، وحقيقة مرعبة بدأت تتكشف قدام عيني.. الحقيقة اللي كنت متأكدة إنها مكنتش حادثة أبداً.

(عارفة إنكم دلوقتي متشوقين تعرفوا إيه اللي حصل وإيه اللي كان في الصورة..

في الصورة، لم يكن هناك بحيرة، ولا عاصفة، ولا شجر يتأرجح بفعل الرياح. كانت الصورة داخل مستودع قديم مغلق، تظهر فيه إضاءة خافتة آتية من كشاف سيارة شريف. وفي وسط الكادر، كان جمال مقيداً إلى كرسي خشبي، وعلامات الضرب المبرح واضحة على وجهه، وملابسه ممزقة. والصدمة الأكبر التي جعلت الدم يتجمد في عروقي، هي أن يد شريف نفسها كانت تظهر في طرف الصورة، وهي تمسح دماءً عن وجهه، وكأنه كان يوثق انتصاره أو يبتز جمال بشيء ما قبل أن ينهي حياته.

التاريخ والوقت المكتوبان أسفل الصورة كانا يطابقان ليلة الأحد.. الليلة التي كان من المفترض أن يعود فيها جمال إلينا.

مسكت الموبايل بقوة لدرجة أن أظافري كادت تخترق شاشته. كل شيء أصبح واضحاً الآن. شريف لم يكن نائماً، ولم تكن هناك عاصفة فاجأت جمال. شريف خطط لكل شيء، استدرج أخاه بحجة رحلة الصيد، وبدلاً من البحيرة، أخذه إلى ذلك المستودع المهجور الذي يمتلكه جدهم القديم في أطراف البلدة، المستودع الذي أغلقته الشرطة منذ سنوات ولم يخطر ببال أحد أن يفتشه.

نظرت إلى لوجي التي كانت تقف مرعوبة من منظري وأنا أبكي وأرتجف على الأرض. حاولت أن أتمالك نفسي لأجلها، فسألتها بصوت مخنوق:

— “لوجي.. الجاكيت ده كان فين بالظبط؟ وعمك شريف شافك وأنتِ بتاخديه؟”

لوجي هزت رأسها بنفي وهي تبتلع ريقها:

— “لأ يا ماما مشافنيش. هو كان في المطبخ بيعمل عشا، وأنا كنت بلعب استغماية مع أخواتي ودخلت الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر. لقيت دولاب صغير مقفول بقفل قديم، بس القفل كان موارب ومش مقفول للآخر. لما فتحته لقيت الجاكيت ده تحت هدوم كتير، عرفته علطول من ريحته ومن العلامة اللي في الكم. ولما حطيت إيدي في الجيب عشان أشوف فيه إيه، لقيت الموبايل ده.. فخبيته في شنطتي بسرعة ولما عمو شريف نادى علينا لبست الجاكيت وخرجت جري.”

أخذت بناتي في حضني وأنا أرتعد. القاتل كان يدخل بيتنا، يأكل معنا، ويمسح على رؤوس بنات أخيه وهو يعلم أنه حرمنّ من أبيهن إلى الأبد. كان يزن على أذني لأتقبل الواقع، ليس لمواساتي، بل ليدفن سر جريمته تحت تراب النسيان.

لكن السؤال الذي كان يمزق عقلي: لماذا؟ لماذا يفعل شريف هذا بأخيه الوحيد؟ جمال لم يكن يؤذي أحداً، وكان دائماً يساعد شريف في أزماته المالية. وهنا تذكرت شيئاً جعل عقلي يتوقف.. قبل الحادثة بشهر واحد، جمال كان قد سحب مبلغاً كبيراً من البنك ليدخل في مشروع أرض جديدة، وكان شريف هو السمسار في تلك البيعة. بعد اختفاء جمال، شريف قال إن المال ضاع مع جمال في البحيرة، وأن الحقيبة جرفها التيار.

فتحت الموبايل القديم مرة أخرى وبدأت أفتش في الرسائل النصية الصادرة والواردة، لعلي أجد دليلاً إضافياً. كانت معظم الرسائل ممسوحة، لكن في صندوق “المسودات”، وجدت رسالة غير مرسلة، كتبها شريف وموجهة لرقم مجهول في نفس ليلة الاختفاء، مكتوب فيها: “كل شيء تم حسب الخطة. الأرض أصبحت لنا، والمال في الأمان. غداً سأبلغ عن اختفائه في البحيرة ليغلق الملف تماماً.”

أغلقت الموبايل ووضعت الجاكيت في حقيبتي بحذر. كنت أعلم أن خطوة واحدة خاطئة قد تجعلني أنا وبناتي الضحايا القادمين. شريف رجل ذكي ومجرم دم بارد، وإذا شعر أن أمره انكشف، فلن يتردد في التخلص منا.

ارتديت عباءتي ونظرت إلى بناتي وقلت لهن بنبرة حازمة لم يعتدن عليها:

— “اسمعوني كويس.. محدش يتكلم عن الجاكيت ده ولا عن الموبايل قدام أي حد، ولا حتى قدام عمكم شريف لو اتصل أو جه. احنا هنخرج حالاً.”

أخذت بناتي وخرجت من البيت والليل قد حل. لم أكن أثق في الذهاب إلى مركز الشرطة المحلي مباشرة، فبعض الضباط هناك أصدقاء مقربون لشريف ويقضون السهرات معه. قررت أن أذهب إلى المحامي القديم لعائلتنا، الأستاذ عادل، فهو الرجل الوحيد الذي يمكنه توجيهي لكيفية تقديم هذا الدليل إلى الجهات العليا في المحافظة دون أن يتسرب الخبر لشريف.

بينما كنا نسير في الشارع متوجهين إلى موقف السيارات، أضاءت شاشة هاتفي الشخصي. نظرت إلى الاسم، وكان قلبي سيسقط بين قدمي.. كان المتصل هو “شريف”.

توقفت في مكاني، وأشرت للبنات بالصمت التام. فتحت الخط وحاولت تصنيع صوت طبيعي وهادئ:

— “ألو.. أهلاً يا شريف.”

جاءني صوته عبر الهاتف، هادئاً، لكن النبرة كانت تحمل بروداً غريباً وجعلت شعر جسدي يقف:

— “أهلاً يا سمر.. أنا رحت البيت عندكم دلوقتي عشان أديكي حاجة نسيتوها، بس لقيت البيت ضلمة ومفيش حد. أنتِ والبنات فين في وقت زي ده؟ وبعدين.. لوجي كانت بتلعب في الأوضة اللي جوه عندي، وفي أمانة غالية عليا ضاعت من الأوضة دي.. تفتكري لوجي خدتها معاها وهي مش واخدة بالها؟”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *