كل

“كل مرة أخت جوزي تولد، كانت بتيجي تقضي فترة النفاس عندي… وتتعامَل معايا كأني الخدامة اللي موجودة في البيت عشان تخدمها هي وأمها ليل ونهار. استحملت مرة… واتكسرت مرة تانية… لكن لما حملت للمرة التالتة، كانوا فاكرين إني هقول حاضر زي كل مرة. ماكانوش يعرفوا إن المرة دي أنا اللي كنت محضرة لهم أكبر صدمة في حياتهم.”

 

أخت جوزي هتولد قريب، واتعودت كل مرة تقضي فترة النفاس بتاعها عندي.. ودي كانت تالت مرة تطلب فيها المصلحة دي، بس المرة دي أنا مقبلتش.. وقدمت استقالتي من الشغل فوراً!

 

يومها الساعة كانت اتنين ونص الظهر، كنت قاعدة في الشركة براجع التصميم النهائي وبقفله مع واحد من أهم العملاء، وفجأة الموبايل على المكتب مابطلش زن وهز.

 

بصيت على الشاشة.. لقيتها حماتي، الست فريدة.

 

وعارفة طبعاً إن مكالمة منها في وقت زي ده مابتجيبش وراها غير النكد. اعتذرت للعميل وقمت وقفت في الممر بره عشان أرد.

 

أول ما فتحت الخط، لقيت صوتها طالع كله فرحة وزغاريد:

 

“يا نادية! عندي ليكي خبر بمليون جنيه، ياسمين حامل تاني، والمرة دي حامل في توأم!”

 

مسكت الموبايل جامد وما نطقتش ولا كلمة.

 

كملت هي وقالت: “عشان كده بقى، المرة دي كمان هتيجي تقضي فترة النفاس في بيتكوا. وبما إنهم توأم، يبقى أكيد هتحتاج غرفتين، اخلصي ونظفي البيت ورتبيه من دلوقتي عشان هتنورنا الأسبوع الجاي.”

 

كلامها كان صيغة أمر وإبلاغ، مفيش فيه حتى مساحة لأخذ الرأي.

 

رديت عليها بكل هدوء: “بس أنا مش موافقة يا طنط.”

 

الخط سكت تماماً لثانيتين، وبعدها صرخت: “أنتي قلتي إيه يا بت أنتي؟!”

 

“قلت مش موافقة. المرة دي ياسمين مش هتعتب بيتي في نفاسها.”

 

صوتها اتقلب في ثانية لندب وصراخ عالي: “يا نادية! هو أنتي معندكيش أصل ولا ضمير؟! ياسمين دي أخت جوزك الشقيقة! جرى إيه لما تسانديها في نفاسها؟! ليه الأنانية والجفاء ده؟!”

 

مابقتش قادرة أسمع أكتر من كده، فرحت قافلة السكة في وشها.

 

بس إيديا كانت بتترعش من كتر العصبية والضغط. فتحت الواتساب وبعت لطارق: “مامتك كلمتني وبتقول إن ياسمين عايزة تيجي تولد وتقعد عندنا، وأنا رفضت.”

 

الرسالة اتبعتت.. ومجاش عليها أي رد. مرت ساعة، والتانية، ولا حس ولا خبر، كأنها رسالة اترميت في البحر.

 

على الساعة 7 بالليل رجعت البيت، لقيت طارق قاعد على كنب الصالون ووشه ضارب مقلوب، وضلمة كأنه قنبلة موقوتة. أول ما شافني داخلة من الباب، وقف وقاللي:

 

“نادية، ياسمين حجزت العربية خلاص ليوم الخميس الجاي عشان تيجي، ادخلي ونظفي الأوضة الإضافية ورتبيها.”

 

حطيت شنطتي على جزامة المدخل وقلتله: “أنا قلتلك مش موافقة، أنت مقرتش رسالتي؟”

 

“دي أختي! وجاية بيت أخوها تولد وتقعد فيه، إيه العيب والـغلط في كده؟”

 

“وأنا مرتك! فكرت تاخد رأيي أو تطلب مشورتي قبل ما تقرر؟”

 

لوح بإيده بنفاد صبر وقال: “وإيه لزمتها اللفة دي كلها؟ الموضوع كله أربعين يوم فترة وتعدي!”

 

الموضوع كله أربعين يوم!

 

قبل تلات سنين، قال نفس الجملة دي بالظبط. وقبل سنة، كررها تاني بنفس البرود. واليوم، دي المرة التالتة. في كل مرة الحجة “أربعين يوم”، بس الأربعين يوم اللعينة دي في المرات اللي فاتت كانت هتضيع حياتي فيها.

 

ليلتها، فضلت مستلقية على السرير وباصة للسقف لحد الساعة 4 الصبح وعيني مشافت النوم. وأول ما المنبه ضرب الصبح، كنت واخدة قراري خلاص.. أنا لازم أختفي من حياتهم.

أنا نادية، عندي 31 سنة، شغالة مصممة ديكور داخلي رئيسية في واحد من أكبر المكاتب الاستشارية الهندسية في المدينة. راتبي 22 ألف جنيه في الشهر، وده في بلدنا يعتبر رقم ممتاز ومحترم جداً.

طارق كان زميلي الأكبر مني بدفعة في كلية هندسة قسم عمارة. بعد التخرج، فضل ورايا وبيحاول يتقرب مني أكتر من سنة لحد ما وافقت، ارتبطنا سنتين وبعدها اتجوزنا. هو شغال مدير مشاريع في شركة مقاولات تابعة لقطاع الأعمال العام، وراتبه 16 ألف جنيه.

في السنة التالتة من جوازنا، حمايا وحماتي ساعدونا ب 200

ألف جنيه، وأهلي ادوني 300 ألف، ومع شوية التحويشة اللي جمعناها أنا وهو، اشترينا شقة واسعة 3 أوض وصالتين، مساحتها 130 متر في منطقة راقية جنوب المدينة.

وقتها كنت فاكرة إن دنيتي استقرت خلاص، وإن اللي جاي كله هدوء وراحة بال. لحد ما جه اليوم ده من تلات سنين، لما أخته ياسمين حملت.

ياسمين أصغر مني بأربع سنين، اتجوزت وهي عندها 24 سنة من أحمد، وده تاجر مواد بناء ومعاه قرشين حلوين. أول ما اتجوزت قعدت من الشغل، وصفحتها على الإنستجرام والفيسبوك مفيهاش غير صور خروجات، وشرب شاي في الفنادق، ولينكات ميكاب، وسفر لشواطئ ومنتجعات غالية.

لما دخلت في شهرها السادس من الحمل، حماتي كلمتني في التليفون

يا نادية، بيتنا القديم ضيق كله على بعضه سبعين متر، والوضع هيبقى متعب ومش مريح لياسمين في نفاسها هناك. شقتكم واسعة وما شاء الله 3 أوض وصالتين، خليها تيجي تقضي فترة النفاس عندكم.

وقتها، أنا كنت لسه عارفة إنني حامل في شهري التاني، وكان الوحم عندي صعب وعنيف جداً، كنت بقضي يومي كله ترجيع وقرف لدرجة إني بكون مهدودة تماماً.

بس عشان أشتري خاطري وأحافظ على علاقة طيبة مع حماتي، ولأن ياسمين هي الأخت الوحيدة لطارق، ضغطت على نفسي ووافقت وقلت حاضر يا طنط، خليها تيجي.

لما نطقت بالكلمتين دول،

مكنتش أتخيل أبداً إنني بفتح

 

 

على نفسي باب جهنم وشقا ملوش آخر.

3

موعد ولادة ياسمين كان في أواخر يوليو، بس هي شرفت ونقلت حاجتها لبيتنا قبل الميعاد ده بعشرين يوم كاملين!

يوم ما وصلت، رجعت من الشغل العصر وفتحت باب أوضة نومي الرئيسية، واتصدمت من المنظر!

كل هدومي وحاجتي الشخصية متبعترة ومترصصة في الأرض بره، والدولاب ماليان قمصان نوم حرير وهدوم رضاعة بتاعتها هي. وعلى سرير جوازي، شالت ملاياتي وحطت طقم مفارش وردي كانت جايباه معاها.

لقيت حماتي جاية من ورايا وبتقول ببساطة ياسمين هتحتاج أوضة فيها حمام داخلي عشان راحتها في النفاس، عشان كده أنتوا الاتنين هتنقلوا تناموا في الأوضة الصغيرة التانية.

التفت وبصيت لطارق وأنا مذهولة، بس هو وطى راسه وفضل يبص في شاشة تليفونه، وعمل نفسه هندي لا بيسمع ولا بيشوف.

في الآخر، اضطريت أنا وهو ننقل في الأوضة الصغيرة اللي مساحتها متكملش 12 متر. ولأن الأوضة مكنتش مكفية حاجتي، اضطريت أحط الهدوم على شماعة خارجية وقفتها في زاوية الصالة.

ياسمين ولدت جابت ولد. ومن تاني يوم خروجها من المستشفى ورجوعها لبيتنا، بدأت رحلة العذاب الطويلة اللي استمرت 42 يوم نفاس متواصلين.

خلال ال 42 يوم دول

كل يوم الصبح، الساعة خمسة ونص بالظبط، حماتي تصحى وتشغل البوتاجاز وتبدأ تسلق لحمة وتعمل شوربات دسمة وكوارع

 

 

وأكل تقيل.. روائح السمنة والدهون كانت بتملى الممر وتدخل في كل شبر في الشقة.

أنا أصلاً كنت بتوحم، والروائح دي كانت بتدخل في نفوخي وتصحيني من النوم هلكانة، أجرى على الحمام أرجع كل اللي في بطني لحد ما يغمى عليا.

أما الكارثة الأكبر فكانت العزل بتاع الصوت في الشقة؛ الواد الصغير كان بيصحى في الليلة أربع أو خمس مرات، وصريخه الحاد كان بيخرم الحيطة. ليلة ورا ليلة اتحرمت من النوم، وجالي صداع نصفي مابيفارقنيش، ومع ذلك كنت بضطر الصبح بدري أنزل وأتبهدل في زحمة المواصلات عشان أروح الشغل.

في ليلة من الليالي، كانت الساعة عدت واحدة بعد نص الليل، والواد فضل يصرخ صراخ متواصل لأكتر من 40 دقيقة ومحدش عارف يسكته. مابقتش قادرة أستحمل، فخرجت وخبطت على باب أوضتي الرئيسية.

ياسمين، أرجوكي حاولي تهدي الصغير شوية، أنا عندي الصبح بريزنتيشن ومناقشة مشروع مهمة جداً في الشركة.

الباب اتفتح، وطلعتلي حماتي بوش مقلوب الواد جعان وعايز يرضع، هنكتم نفسه يعني عشان الست هانم تنام؟! أنتي إيه يا شيخة معندكيش دم؟! إيه الأنانية وقلة الذوق دي؟!

وقفت مكاني مش قادرة أنطق، ودموعي نزلت من كتر القهر، ورجعت أوضتي الصغيرة. وعلى السرير، طارق كان نايم ومديني ضهره، وصوت نفسه العالي بيقول إنه في سابع نومة، ولا فارق معاه أي حاجة

 

بره.

بسبب قلة النوم والوحم اللي حرمني من الأكل، خسيت 11 كيلو دفعة واحدة، وبقى جسمي شبه الهيكل العظمي. وفي يوم وأنا قاعدة في المكتب بشتغل على اللوحات الهندسية، حسيت بزغللة في عيني والدنيا لفت بيا وأظلمت تماماً ووقعت من طول الصالة.

لما فقت، لقيت نفسي في المستشفى ومتركبلي محاليل.

الدكتور كان ماسك تقرير التحاليل ووشه متبهدل أسف أنتي عندك إجهاد حاد فوق طاقة البشر، ومعاكي أنيميا حادة ونقص شديد في الدم، وده دخلنا في حالة إجهاض منذر. لازم تتحجزي فوراً تحت الملاحظة.

مسكت التليفون بإيد بترتعش وكلمت طارق، رد عليا بكلمتين أنا في اجتماع مهم للمشروع، هخلص وأجيلك متأخر.

كلمت حماتي، رفضت تيجي وقالت ياسمين بترضع ومقدرش أسيب البيت لوحدها من غير ما أساعدها.

في النهاية، اللي سابت شغلها وجت جري عشان تخلصلي ورق الدخول وتدفع الفلوس وتلف بيا على التحاليل، كانت فرح، صاحبة عمري من أيام الكلية.

يا نادية، إيه الجحيم اللي أنتي عايشة فيه ده؟! فرح بصت للمحلول اللي في إيدي الهزيلة وعينها اتملت دموع حزناً عليا. كنت نمت والدموع نازلة على خدي في صمت ومفيش طاقة للكلام.

طارق ماشرفش في المستشفى غير الساعة 9 بالليل، وكان جايب في إيده كيس فاكهة بسيط. قعد على طرف السرير وقال عاملة إيه دلوقتي؟ الموضوع خطير؟

رديت

 

بنبرة ميتة الجنين في خطر، وبجهض.

سكت شوية وقال طب ارتاحي هنا لحد ما تبقي كويسة، وأنا هكلم مديرك أطلبلك إجازة كام يوم.

وفين ماما وياسمين؟

الواد صغير وبيخافوا عليه من الهوا والتعب، وماما وأختي مقدروش يسيبوه ويخرجوا.

بصيت لسقف المستشفى الأبيض، ومطقتش بكلمة تانية. قلبي اتجمد تماماً في اللحظة دي.

والجنين المسكين ده مكنش ليه نصيب يعيش، وسقطت في الآخر.

في ليلتي التاسعة في المستشفى، جالي وجع شديد وفجائي، ودخلوني عمليات تنظيف، وعقلي كان فاضي تماماً من أي مشاعر. بعد العملية الدكتور قال لطارق رحم مراتك اتضرر جداً، وأي محاولة للحمل الجاي لازم متكونش قبل سنة كاملة عشان جسمها يتعافى.

قعدت في المستشفى أربع أيام كمان للمتابعة، وخلال كل ده، حماتي أو أخت جوزي مرفعوش حتى سماعة التليفون يسألوا عليا.

يوم خروجي، سألت طارق ليه مامتك وأختك مجوش؟

رد بمنتهى البرود أختي في النفاس والواد مكملش شهر، وهما بيتشاءمو وبيخافوا من دخول المستشفيات في الفترة دي، الموضوع مش مناسب.

بصيت له وقلت بقوة داخلية تمام.

وفي اليوم اللي ياسمين خلصت فيه الأربعين، جه جوزها أحمد بعربيته المرسيدس الفارهة عشان ياخدها. وقفت عند الباب وهي شايلة ابنها وبتودع أمها، وقالت بابتسامة نصر وتحدي باصة في عيني يا ماما، لما أحمل في بطني

التانية، هاجي برضه أقضي النفاس هنا

 

 

في بيت نادية، المكان واسع ومريح ع الآخر!

كنت واقفة جوة المطبخ، ماسكة كوباية المية جامد

لدرجة إن صوابعي ابيضت، وبضغط على نفسي عشان مطلعش أعمل جناية.

4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *