كنت

كنت راكبه انا وبنت عمت جوزى العربيه وهى كانت حامل وطلبت انها تقعد قدام عشان المطبات وافقت وماعترضتش لكن وأحنا على الطريق السريع شذى بنت عمه مسكت بطنها لقيت جوزى وقف العربيه وسألها مالك

قالتله ريحه البرفان اللى مراتك حطاها قالبه معدتى وجالى غثيان

بدون تردد لقيت جوزى بيطلب منى أنزل من العربيه! أنا اتصدمت، ومبقتش مستوعبة هو بيتكلم بجد ولا بيهزر؟ ببعدين لقيته بزعيق وبيشاورلي على الباب وبيقولي: “خلصي يا ندى، مش قادرة تستحمل، انزلي خدي تاكسي وروحي، مش ناقصين يحصلها حاجة والطفل يجراله حاجة بسببك!”

نزلت من العربية ورجلي مش شيلاني، والدموع مغرقة عيني من كتر الإهانة والوجع. وبمجرد ما رجلي لمست الإسفلت، وقبل ما الباب يتقفل، اتلفتّ وبصيت عليها… لقيت شذى باصة لي من قزاز العربية، وعلى وشها ابتسامة نصر خبيثة، عينيها كانت بتطق شماتة وفرحة، وكأنها بتقولي “شفتي مين الكسبان في الآخر؟”.

جوزي مداسش حتى بنزين براحة، ده طار بالعربية وسابني واقفة بطولي على الطريق السريع، وسط العربيات اللي بتجري حواليا، وقلبي مكسور ميت حتة من برود قلبه وقسوتها.

لما دخلت العمارة، كنت حاسة إن رجلي بتجرجرني بالعافية، ودموعي نشفت من كتر الصدمة والوجع. أول ما وصلت الدور الأول، ولمحت باب شقة حماتي مفتوح وصوت ضحكهم طالع للممر، قلبي انقبض.

خطيت عتبة الشقة، واتفاجئت بالمنظر اللي كسر اللي باقي مني.. جوزي قاعد على الكنبة، وجنبه شذى قاعده كانها مراته  وكأنها صاحبة البيت، وحواليها أكياس لبس كتير؛ لبس خروج ولبس بيتي شيك جداً لسه بالتايكت بتاعه.

أول ما شافني داخلة، ولا كأنه سابني  على طريق سريع! بصلي ببرود وقال بنبرة أمر: “كويس إنك جيتي.. شذى هتقعد هنا كام يوم مع أمي عشان تعبانة ومحتاجة رعاية، وأنا نزلت جبتلها شوية لبس بيتي وخروج تريح بيهم هنا.. ادخلي اعمليلنا حاجة نشربها عشان لسه جايين من المشوار وتعبانين.”

شذى في اللحظة دي، عدلت قعدتها وبصت للأكياس اللي جنبها، وبعدين رفعت عينها في عيني وبصتلي من فوق لتحت بابتسامة شماتة تانية، ولطفت صوتها بخبث وقالت: “تسلم إيدك يا ابن عمي، ذوقك في اللبس البيتي يجنن.. معلش بقى يا ندى تعبناكي معانا النهاردة، أصل الحمل ومشاكله زي ما أنتِ عارفة، مكنتش قادرة أستحمل ريحة برفانك خالص!”

حماتي كانت قاعدة بتبتسم ومقالتش كلمة واحدة تطيّب خاطري، وأنا واقفة في وسط الصالة، باصة لجوزي وللأكياس ولشذى، وحاسة إن الدنيا بتلف بيا من كتر الجحود والرخص اللي حطوني فيه

صحيت تاني يوم الصبح، وعيني ورمة ومشققة من كتر العياط طول الليل. لفيت طرحتي ونزلت شقة حماتي وأنا بنهج من التعب، وقلت يمكن ألاقي جوزي لوحدنا أعاتبه أو أحس منه بأي ندم على اللي عمله فيا امبارح.

أول ما خطيت الصالة، اتسمرت في مكاني.. المنظر كان زي الس*كينة في قلبي؛ وجبة فطار جاهزة وفول وطعمية وفطاير سخنة لسه جايبها، وقاعد جنب شذى بيفطروا ويضحكوا، وحماتي قاعدة معاهم ومبسوطة ع الآخر. جوزي لمحنـي، وبصلي بطرف عينه ورجع يكمل كلامه مع شذى ولا كأني بني آدمة واقفة، ولا كأنه كسر بخاطري و رماني في الشارع امبارح.. سابني واقفة كأني هوا، حرفياً ملغية ماليش وجود.

أول ما خلص فطار، قام لبس وباس رأس أمه، وبص لشذى وقالها: “خلي بالك من نفسك ولوعوزتي أي حاجة كلميني فوراً”، ونزل وراح شغله من غير ما يرمي عليا حتى كلمة “صباح الخير”.

بمجرد ما باب الشقة اتقفل، وحماتي دخلت المطبخ تجيب حاجة، لقيت شذى قامت من مكانها ببطء، ومسكت بطنها وهي بتتمايل، وقربت مني لحد ما بقت في وشي تماماً. بصتلي بعيون كلها غل وتشفي، وقالت بنبرة صوت واطية ومليانة سم: “بقولك إيه يا ندى.. سيبيه بكرامتك وامشي، بدل ما أنتِ قاعدة هنا من غير كرامة كدة! مش شايفة إنه مش طايقك ولا طايق يشم ريحتك؟ اللي زيك لو عندها دم، تلم هدومها وتغور، عشان اللي جاي هيزعلك أوي

 

أول ما شذى رمت كلامها المسموم، حسيت بنار قادت في صدري، وجمعت كل قوتي ووقفت طولـي وبصيت في عينيها بثبات وأنا بحاول أداري الوجع اللي جوايا، وقلت لها بنبرة قوية: “على فكرة يا شذى، أنتِ فاهمة غلط خالص.. جوزي بيعمل معاكِ كدة عشان أصوله وربايته، هو بس مراعي إنك مطلقة، وضيفة عندنا في البيت، وفي ظروف صحية صعبة وتعبانة.. لكن متفكريش أبداً إن ده معناه حاجة تانية، المقامات محفوظة وأنا مراته صاحبة البيت!”

شذى أول ما سمعت كلمة “مطلقة”، عينيها برقت من الغل، وضحكت ضحكة عالية ومستفزة رنت في الصالة كلها، وقربت مني خطوة كمان لدرجة إن أنفاسها بقت في وشي، وقالت بنبرة كلها تحدي وثقة عمياء: “مطلقة؟ ضيفة؟! لاء يا حبيبتي فوقي لنفسك واصحي من الوهم اللي أنتِ عايشة فيه.. هو مش بيعمل كدة شفقة، هو بيعمل كدة لأنه مش بيحبك أصلاً، وعمره ما حبك! هو بيحبني أنا.. بيموت في التراب اللي بمشي عليه وبيتمنى رضايا، ومش شايف في الدنيا ست غيري.. والملعوبة اللي اتلعبت امبارح في العربية ونزولك في الشارع دي كانت أول خطوة، عشان تعرفي مين فينا الغالية ومين الرخيصة اللي ملهاش لازمة!”

بصيتلها بقرف وقلت بصوت حاسم: “كذابة.. أنتِ واحدة كذابة وبتتوهمي! سمير بيحبني أنا، وعمره ما هيبص لواحدة زيك، أنتِ بس اللي بتجرّي وراه وبتتمسحي فيه!”

شذى ملامحها اتغيرت وبقت باردة جداً، وطلعت تليفونها من جيبها وبصتلي بنظرة خباثة وقالت: “بقى كدة؟ تمام.. يبقى أنتِ اللي بتعملي كدة في نفسك، وأنتِ اللي جنيتي على روحك!”

وفي ثانية، لقيتها طلبت رقم سمير، وأول ما رد، ملامح وشها اتقبلت ١٨٠ درجة؛ عينيها دمعت وصوتها اترعش وبدأت تعيط بنهنهة وتمثيل يدرّس في الخبث: “ألحقني يا سمير.. أنا متبهدلة أوي.. أنا لازم أمشي حالا من هنا.. ندى بتهيني وبتطردني برة البيت، وبتقولي ملكيش قعاد هنا يا مطلقة يا شحاتة.. أنا ماليش ذنب في تعبي يا سمير عشان اتهان كدة!”

وفجأة سكتت وهي بتسمعه، ولقيتها بتبصلي بنظرة انتصار وبتقوله: “حاضر.. حاضر يا حبيبي مش همشي، هستناك.”

ساعة بالظبط وسمعت صوت فرملة عربية سمير تحت البيت، وقلبي بدأ يدق برعب. ثواني وباب الشقة اترزع بقوة هزت الجدران. دخل سمير وعيونه بتطلع شرار، ووشه أحمر وعروقه بارزة من الغضب.

أول ما شافني، جري عليا من غير ما ينطق بحرف واحد، وقبل ما أفتح بوقي عشان أدافع عن نفسي أو أشرح له اللي حصل، لقيت كف إيده نزل على وشي بقوة! القلم كان شديد لدرجة إن راسي لفت والدنيا اسودت في عيني، ووقعت على الأرض من شدة الضربة.

حطيت إيدي على خدي وأنا مذهولة وبصرخ: “والله العظيم كدابة يا سمير! هي اللي بدأت وقالتلي..”

مخلانيش أكمل الكلمة، وزعق فيا بصوت زي الرعد زلزل العمارة: “اسكتي خالص! مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك.. اطلعي فوق شقتك فوراً، ورجلك دي متلمسش شقة أمي تاني أبداً! غوري من قدامي!”

قمت من على الأرض وأنا كلي بترعش وببكي بحرقة، وقبل ما أخرج من باب الشقة، اتلفتّ وبصيت ورايا.. لقيت شذى واقفة ورا سمير، بتطبطب على كتفه وهي بتدعي الخوف والدموع في عينيها، لكن عينيها التقت بعيني وغمزتلي بابتسامة نصر حقيرة، كأنها بتقولي: “أهو طردك ومد إيده عليكي قدامي.. شفتي مين فينا الغالية؟”

 

طلعت شقتي ورجلي بتجرجرني بالعافية من كتر الوجع والذل. قفلت الباب عليا ورميت نفسي على السرير، وفضلت أعيط بحرقة طول اليوم لحد ما عيني ورمت وصوتي اتنبح من كتر الكتمان. كنت حاسة بقهر ملوش آخر، وجوزي اللي هانني وضربني قدام الغريبة كسر جوايا كل حاجة حلوة.

على آخر اليوم، لما حسيت إن الدنيا هديت شوية، قلت لنفسي مفيش حل غير إني أنزل لحماتي، هي ست كبيرة وأكيد لو حكتلها الحقيقة وعرفتها كدب شذى وتمثيلها، مش هترضى بالظلم ده ولا هتقبل إن ابنها يمد إيده عليا بالشكل ده في بيتها.

نزلت وفتحت باب الشقة براحة ودخلت.. بس يارتني ما نزلت!

اتسمرت في مكاني والدم نشف في عروقي من المنظر؛ شذى كانت قاعدة مفرودة على الكنبة على الآخر، وفاردة رجليها الاتنين وحطاهم على حجر سمير! وسمير قاعد بكل برود ماسك كريم وبيدلكلها في رجليها بحنية واهتمام عمري ما شفته منه في حياتي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *