مراتي

قبل فرحي، أمي أجبرتني أكتب شقتي اللي تمنها أكتر من مية مليون جنيه باسمها. وقالتلي:
“إوعي تنطقي بكلمة لـ كريم أو لأهله.”
افتكرتها بتبالغ… أو يمكن عقلها راح شوية.
لحد ما حماتي مسكت الميكروفون قدام أكتر من ميتين معزوم، وأعلنت بكل بجاحة إن شقتي في الزمالك هتبقى بيت تقاعدها.
ساعتها بس فهمت… إن أمي كانت شايفة حاجة أنا ماكنتش شايفاها.
قبل الفرح بثلاث شهور، أمي قفلت باب أوضتها بالمفتاح.
ووطّت صوتها.
وقالت جملة خلّت الدم يتجمّد في عروقي:
“يا سارة… الأسبوع الجاي هتكتبي الشقة باسمي.”
بصّيتلها مصدومة.
شقتي دي ماكنتش مجرد عقار.
دي كانت عمري كله.
سنين شغل وتعب.
سهر وضغط.
بونصات كنت بحوشها بدل ما أصرفها.
سفريات ألغيتها.
ومساعدة كبيرة من بابا وماما لما لقيت أخيرًا الشقة اللي بحلم بيها في الزمالك، على النيل مباشرة، بمدخل رخامي، وأمن ما بيفوّتش نملة.
كانت تساوي أكتر من مية مليون جنيه.
دي الشقة اللي كنت متخيلة أبدأ فيها حياتي مع كريم.
فطار الجمعة وإحنا لسه بالبيجامات.
قعدة بلكونة على النيل.
وطفل صغير يجري في الطرقة.
قلت لها بعصبية:
“ماما… إزاي أعمل كده؟ دي شقتي!”
ماشرحتش كتير.
بس مسكت إيدي.
كانت إيديها ساقعة بشكل يخوف.
وقالت بهدوء:
“اسمعي كلامي المرة دي بس… وماتقوليش لعيلة كريم.”
اتعصبت جدًا.
قلت لها:
“إنتِ مستوعبة إنتِ بتطلبي مني إيه؟ أبدأ جوازي بسر؟”
بصّت ناحية الباب كأن حد بيتسمع علينا، وبعدها قالت:
“الست أوقات ما بتخسرش بيتها عشان غبية… بتخسره عشان وثقت زيادة.”
مافهمتش وقتها.
أو يمكن ماكنتش عايزة أفهم.
كريم كان شكله مثالي.
هادئ.
ذوق.
النوع اللي يفتح الباب لمامتك، ويشيل الشنط عنها، ويبعت ورد حتى من غير مناسبة.
أهله كانوا متحكمين شوية… خصوصًا والدته، ناهد هانم.
كان ليها رأي في كل حاجة:
الفستان.
الأكل.
الديكور.
المعازيم.
حتى لون المناكير.
لكن كنت بقول لنفسي:
“عادي… ده ابنها الوحيد.”
بعد أسبوع، مضيت العقود.
رحت مع أمي لمكتب محامي في التجمع الخامس.
وماقولتش لكريم أي حاجة.
طول الطريق كنت حاسة بالذنب.
ولما خرجنا، أمي حطت العقد في شنطتها وكأنها بتحط سلاح.
وقالت:
“كده تمام… دلوقتي تقدري تتجوزي.”
كنت هصرخ فيها.
بس ماعملتش.
لأن كان في حاجة في عينيها…
مش خوف.
خبرة.
وجّه يوم الفرح.
فرقة لايف.
ورد أبيض مالي القاعة.
وعربيات مرسيدس سودا واقفة قدام فندق فخم في القاهرة الجديدة.
أكتر من ميتين معزوم.
صحاب بابا رجال الأعمال.
قرايب لابسين دهب يلمع من آخر القاعة.
ولاد خالات سكرانين قبل الزفة أصلًا.
وصحاب كريم بيصوروا كل ثانية للإنستجرام.
دخلت ماسكة دراع بابا وأنا مبسوطة بجد.
حتى كريم دمعت عينه أول ما شافني.
أو ده اللي كنت فاكراه.
في الفرح كل حاجة كانت ماشية مثالية…
لحد ما ناهد هانم طلبت الميكروفون.
كنت بقطع التورتة، وكريم حاطط إيده على خصري.
في اللحظة دي… ماما بطلت تبتسم.
ناهد هانم قامت بفستانها الدهبي، وماشية بنفس النظرة المتعالية اللي طول عمرها بتبص بيها للناس.
وقالت:
“عايزة أقول كلمتين.”
الناس سقفت.
حتى أنا.
يا غبائي.
ابتسمت وقالت:
“النهارده أنا مش بكسب كنّة بس… أنا بكسب بنت.”
الناس قالت: “آآآه” بإعجاب.
وحطت إيدها على صدرها وقالت:
“وبما إننا بقينا عيلة واحدة… أحب أشكر سارة على الهدية الجميلة اللي هتقدمهالي.”
حسيت جسم كريم اتشد.
بس الحاجة اللي كسرتني فعلًا… إنه ماكانش متفاجئ.
كان عارف.
ابتسمت ناهد هانم ناحية الترابيزة بتاعتي وقالت:
“كنّتي عندها شقة رائعة في الزمالك. واسعة، شيك، ومناسبة جدًا لواحدة في سني. وهي عارفة إن أول ما أتعب من العيشة لوحدي… الشقة دي هتبقى بيتي.”
القاعة كلها سكتت.
مش سكوت عادي.
سكوت مقرف.
سكوت ناس اكتشفت متأخر إنها قاعدة تتفرج على إهانة علنية.
س/كينة التورتة بقت تقيلة في إيدي.
قلت بصوت واطي:
“إيه؟”
كريم ربّت على ضهري وكأني طفلة هتعيّط.
وقاللي بهمس:
“اهدي يا حبيبتي… نتكلم بعدين.”
في اللحظة دي، الدنيا اتهدت فوق دماغي.
مش بسبب حماتي…
بسببه هو.
لأنه كان عارف من البداية.
وكملت ناهد هانم كلامها:
“وطبعًا لحد ما العرسان يستقروا، يقدروا يقعدوا معايا شوية. بيتي مش فخم زي شقة الزمالك… لكن الجواز محتاج تواضع.”
حد ضحك ضحكة متوترة.
أما أنا، فكنت حاسة إن الفستان بيخنقني.
في اللحظة دي، أمي قامت من مكانها بهدوء.
كريم شد على خصري أكتر، وقال بين سنانه:
“ما تعمليش فضيحة يا سارة.”
بصيتله.
ابتسامته لسه مرسومة للكاميرات…
بس عينيه كانوا تلج.
سألته:
“إنت كنت عارف؟”
ما ردش.
رفعت ناهد هانم الكوباية وقالت:
“نخب العرسان… والعيلة… والشقة الجميلة اللي هتجمعنا قريب.”
وفجأة، أمي وصلت جنبي.
لا صريخ.
لا عياط.
بس سحبت الميكروفون من إيد ناهد هانم.
وقالت جملة خلت كريم يشيل إيده من على خصري فورًا:
“يا خسارة يا ناهد هانم… الشقة دي ما بقتش باسم سارة أصلًا.”
القاعة كلها اتحولت لتمثال شمع. المزيكا الـ Live وقفت فجأة، والمصور اللي كان بيتحرك حوالينا بالكاميرا ثبت في مكانه وكأنه خايف ينفس.
ناهد هانم نزلت إيدها اللي كانت رافعة بيها الكوباية بالتدريج، وملامح وشها اتغيرت من الابتسامة المزيّفة للذهول التام. بصت لأمي وقالت بنبرة حاولت تخليها هادية بس رعشة صوتها فضحتها:
“أنتِ بتقولي إيه يا مدام؟ هظار ده؟”
أمي ابتسمت ببرود وقة، ورفعت الميكروفون أكتر وقالت بثقة هزت القاعة:
“الشقة اتباعت من أسبوع بعقد مسجل في الشهر العقاري. سارة ما تملكش فيها ولا طوبة.. الشقة دي ملكي أنا شخصيًا، ودفعت تمنها بالمليم.”
في اللحظة دي، حسيت بكريم بيبعد عني خطوة كاملة. وشه اللي كان مرسوم عليه الهدوء المثالي اتقلب لكتلة من الغضب، وبصلي وعينيه بتطق شرار وقال بصوت واطي ومرعب:
“أنتِ عملتي إيه؟ أنتِ لعبتي من ورايا؟”
قبل ما أنطق، ناهد هانم قربت من المنصة، وفستانها الدهبي بيجر وراها، وقالت بصوت مسموع للمعازيم اللي واقفين قريبين:
“يعني إيه اتباعت؟ وكريم؟ والشقة اللي كنا مرتبين كل حاجة عليها؟ أنتِ بتستغفلونا؟”
أمي نزلت الميكروفون وبقت بتكلمهم وجهاً لوجه، وقالت لناهد هانم:
“الجواز محتاج تواضع يا ناهد هانم، مش ده كلامك من دقيقة؟ وأهو العرسان هيبدأوا متواضعين في شقة إيجار أو في بيتك الفخم زي ما قلتي. مال سارة وشقا عمرها مالوش علاقة بجوازها.”
كريم سابني خالص ووقف بين أمي وأمه، وقال بزعيق مكتوم:
“الكلام ده مش هيعدي. سارة.. أنتِ لازم تفهميني إيه التهريج ده حالا!”
بابا قرب بسرعة لما لقى الموضوع بدأ يخرج عن السيطرة، وحط إيده على كتف كريم وقال بصوت حازم:
“صوتك ما يعلاش على حماتك يا كريم، وإحنا في فرح ووسط الناس. حسابات الشقق والبيوع دي تتكلموا فيها في بيوتكم، مش قدام الميتين معزوم اللي بيتفرجوا علينا.”
ناهد هانم لفت وشها للمعازيم وحاولت تلم الموضوع بغطرسة وقالت:
“الفرح انتهى بالنسبة لي.” وسحبت شنطتها ومشيت ناحية الباب، وكريم بصلي بصه أخيرة كلها غل وندم، ومشي ورا أمه من غير ما يلتفت وراه.
القاعة بدأت تفضى في دقايق. الصحاب والقرايب انسحبوا وهم بيهمسوا ويتبادلوا نظرات الصدمة.
قعدت على الكرسي بالفستان الأبيض التقيل، وبصيت لأمي اللي كانت واقفة زي الحارس اللي أنقذ حياتي من انفجار. قربت مني، حطت إيدها على كتفي وقالت:
“دموعك دي غالية يا سارة. أنا شفت أمه وهي بتسأل بواب العمارة في الزمالك عن مواصفات الشقة وعن الأمن قبل الفرح بشهر، وعرفت إن عينه عليها مش عليكي. ادخلي غيري فستانك.. الحكاية لسه بتبدأ.”
