يوم

يوم فرحى اول ما دخلنا الشقه والباب اتقفل دخلت أجيب بنتي “مريم” من أوضة الأطفال عشان ننام، وفجأة سمعت صوت جوزي وأمه بيتوشوشوا في الصالة…

حماتي كان صوتها مليان حقد وهي بتقول: «أنت إيه اللي خلاك تكتب الشقة باسمها؟ أنت اتجننت يا طارق؟ دي لسه مكملتش معاك شهرين!»

 

جوزي ضحك ضحكة خبيثة وقال بصوت واطي:

«عشان أنتي غبية ومش فاهمة حاجة يا أمي… لو عرفتي هي وارثة إيه من طليقها ومخبياه فين، كنتي هتقوليلي اكتبلها عمري كله مش بس الشقة»

 

جسمي اتنفض مكاني.. حسيت إن الدنيا بتلف بيا.. شيلت بنتي اللي عندها ٦ سنين وهي نايمة على كتفي، واتسحبت لباب الشقة زي الحرامية.. ومن غير ولا كلمة، فتحت الباب ونزلت جري على السلم مش الأسانسير عشان ميسمعوش صوتي..

 

واللي اكتشفته بعد كده كان كارثة مفيش شيطان يفكر فيها

العزومة لسه خالصة حالاً.. وكنا لسه في شقتنا الجديدة اللي “طارق” صمم يكتبها باسمي هدية جوازنا.. كنت طايرة من الفرحة، حاسة إني أخيراً لقيت العوض بعد سنين من الشقا والمرمطة في المحاكم مع طليقي.

 

طارق كان ونعم الراجل.. حنين، كريم، وبيحب “مريم” بنتي كأنها حتة منه.. النهاردة كانت “عزومة الأهل” بمناسبة البيت الجديد.. الأكل كان كتير، والضحك مالي البيت، وحماتي “الحاجة كريمة” كانت بتتبسم لي طول القعدة وتقولي «ربنا يهنيكي يا بنتي ويريح بالك».

 

مريم كانت نامت من بدري في الأوضة جوه من كتر اللعب..

أنا دخلت المطبخ أعمل كوبايتين شاي ليا ولطارق عشان نحتفل بهدوء.. بس لاحظت إن النور مطفي في الصالة وصوتهم واطي أوي.

 

قربت من الطرقة اللي بتودي للصالة.. ووقفت..

حماتي كانت بتزعق بس بصوت مكتوم:

«يا ابني افهم.. دي ولية فقر.. وأنت ضيعت تحويشة عمرك عشان تبهزها بشقة تمليك!»

قلبي دق بسرعة.. كنت لسه هدخل أعاتبهم وأقولهم إني سمعتهم.. بس رد طارق سمرني مكاني.

طارق رد ببرود أعصاب مرعب:

 

«الشقة دي مجرد “طُعم” يا أمي.. أنتي متعرفيش إن أبو مريم قبل ما يموت سابلها خزنة في البنك محدش يعرف رقمها غير “الهانم” اللي جوه دي.. والخزنة دي فيها بلاوي تشتري العمارة دي كلها.»

حماتي سكتت لحظة وقالت بلهفة وطمع مالي صوتها:

«وأنت عرفت منين؟»

 

طارق كمل وكأنه بيتكلم عن صفقة مش عن مراته:

«سمعتها بتكلم المحامي في التليفون وهي فاكراني نايم.. الخطة كلها إني لازم أكسب ثقتها ١٠٠٪ عشان تديني التوكيل العام.. وساعتها.. هرميها هي وبنتها في الشارع بجلابية البيت.»

 

وداني صفرت.. والدم غلي في عروقي.. بصيت على بنتي النايمة في الأوضة، وعرفت إن مفيش وقت للانهيار ولا للعياط.

#الكاتب_رومانى_مكرم

دخلت الأوضة بشويش.. شيلت مريم، وأخدت شنطة إيدي اللي فيها “المفاجأة الحقيقية” اللي هما ميعرفوش عنها حاجة..

خرجت من باب الشقة حافية عشان الكعب ميعملش صوت..

نزلت السلالم وأنا بلهث.. ركبت تاكسي فوراً وقولتله: “اطلع بيا على القسم”..

 

وصلت القسم والدموع ناشفة في عيني، مفيش مكان للضعف، الصدمة لجمتني بس فوقتني في نفس الوقت. الظابط مناوب الليل بص لي باستغراب وأنا داخلة حافية، شايلة طفلة نايمة على كتفي، وشكلي باين عليه المرار.

قعدت على الكرسي وأنا بنهج، حطيت مريم بالراحة على كنبة خشب في المكتب، وفتحت شنطتي.. “المفاجأة” اللي كانت في الشنطة مكنتش بس موبايلي اللي سجلت بيه كل كلمة قالوها في الصالة بصوت واضح ونقي، المفاجأة الحقيقية كانت أوراق تانية خالص.. أوراق تخص طارق نفسه!

قبل الجواز بأسبوع، لما طارق طلب مني أوراقي الرسمية عشان “إجراءات كتب الكتاب”، بالصدفة وقعت تحت إيدي محفظة قديمة بتاعته في عربيتة، كان فيها صورة بطاقة قديمة باسم تاني، ووصل أمانة بمبلغ خيالي لشخص معرفوش. وقتها قلبي نقح عليا، وبحكم مرمطتي القديمة في المحاكم، أخدت الأرقام دي وبعتّها للأستاذ فريد محامي طليقي الله يرحمه، وقولتله يِستعلم لي عنها في السر من غير ما طارق يحس.

المحامي كلمني قبل العزومة بكام ساعة وفجر القنبلة.. طارق مش رجل أعمال ولا حاجة، طارق نصاب دولي، هربان من أحكام غيابية، والشقة اللي كتبها باسمي دي؟ دي شقة مأجرة إيجار قديم ومضروب لها عقد تمليك مزور عشان يثبت بيا الزبونة.. يعني “الطُعم” اللي كان بيتباها بيه قدام أمه، ميسواش الحبر اللي اتكتب بيه!

نزلت أوراق المحامي على مكتب الظابط، ومعاهم الموبايل، وشغلت التسجيل. صوت طارق وأمه وهو بيقول: “الخطة كلها إني لازم أكسب ثقتها ١٠٠٪ عشان تديني التوكيل العام.. وساعتها هرميها هي وبنتها في الشارع” ملأ الأوضة.

الظابط ملامحه اتغيرت، وعينه برقت وهو بيبص في أوراق المحامي وصورة بطاقة طارق القديمة. قال بصوت جهوري: “ده طارق البدرشيني! ده بقالنا سنة بندور عليه في قضايا توظيف أموال ونصب.. أنتي متأكدة إنه في الشقة حالياً؟”

هزيت راسي وأنا كتمة صرختي: “أيوا يا فندم، لسه سايباه من ربع ساعة، وفاكرني نايمة جوه مع بنتي”.

في لحظتها، تليفوني اللي في الشنطة رن.. الشاشة نورت باسم “حبيبي طارق”..

الظابط شاور لي بإيده بسرعة: “افتحي السبيكر وردي عليه عادي جداً.. اوعي يحس بحاجة”.

صوابعي كانت بترتعش وأنا بفتح الخط.. صوت طارق كان ناعم وزي الحية وهو بيقول: “يا حبيبتي أنتي فين؟ دخلت الأوضة ملقتكيش أنتي ومريم، والباب موارب.. قلقتي طمنيني عليكي؟”

بصيت للظابط، وبلعت ريقي، ورسمت على صوتي نبرة خوف وعياط مزيفة وقولت: “الحقني يا طارق.. مريم سخنت فجأة وقطع النفس، ملقتش كعب الجزمة ألبسه، نزلت جري بيها حافية على المستشفى اللي في أول الشارع.. تعالى لي بسرعة أنا بموت من الخوف”.

طارق صوته اتغير، الخوف مكنش عليا ولا على بنتي، الخوف كان على “الخزنة” اللي لسه مخدش مفتاحها.. قال بلهفة: “مستشفى إيه؟ أنا جايلك حالاً متتحركيش!”

قفلت السكة، والظابط وقف وناهد العساكر اللي معاه: “جهزوا القوة بسرعة.. هنقبض عليه متلبس في المستشفى، وباقي القوة تطلع على الشقة تجيب الحيزبونة أمه”.

خرجت مع القوة وأنا شايلة بنتي، ركبوني عربية بوكس وراهم.. كنت شايفة النور بينور في شوارع القاهرة، وحاسة إن اللعبة خلاص بتنتهي.. طارق رايح لرجله للمستشفى وهو فاكر إنه هيصطاد الفريسة، ميعرفش إن “الخزنة” اللي بيدور عليها، مفيهاش فلوس أصلاً.. الخزنة دي فيها سر لو عرفه، كان هرب برا البلد من زمان ومفكرش يقرب مني..

وصلت العربية قدام المستشفى، ولمحت من بعيد عربية طارق بتهدي وبتكن على جنب.. ونزل منها وهو بيلتفت حواليه بلهفة.. ودقات قلبي بقت تسابق الزمن..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *