انا

انا كنت مخطوبه وفكيت خطوبتى من صغرى بشتغل وبتعب عشان اعتمد على نفسى. بعد ما فركشت خطوبتي، شلت جهازي كله في شنط سفر، وكنت شايلة أغلى وأشيك حاجة تعبت في كل قرش دفعته فيها. عندي شنطة لوحدها فيها لبس بيت وداخلي من اغلى الملابس ، وشنطة تانية فيها عبايات استقبال وبيجامات قمة في الشياكة. مستورده ده غير، ادوات المطبخ من اغلى الماركات
كنت فى رحلة شغل اسبوع رجعت لقيت مرات أبويا خدت جهازى وادته لبنت اخوها علشان فرحها قرب
سنين وسنين من الكفاح، غزل البنات اللى كنت بشوفه فى عيون صحابى وهما بيتفسحوا، أنا كنت بشوفه فى شكل قرش بجمعه بعرق جبينى من صغرى. اشتغلت وتعبت، شيلت الهم بدري علشان مكنش عبء على حد، وعلشان لما أجهز نفسى، أكون الملكة فى بيتى. لما فركشت خطوبتى، مكنتش زعلانة على الشخص، كنت زعلانة على حلم اتهد، بس قولت “قدر الله وما شاء فعل”. جمعت شقا عمرى كله، جهازى اللى نقيت فيه كل فتلة وكل قطعة بإيدى، وحطيته فى شنط سفر.. شنط كانت بالنسبة لى بتضم “تحويشة العمر”.
كان عندى شنطة لوحدها شايلة فيها لبس البيت والملابس الداخلية من أغلى الماركات، حاجة كدة ناعمة وغالية ومستوردة، وشنطة تانية مخصصاها لعبايات الاستقبال والبيجامات اللى قمة فى الشياكة والأناقة، ده غير طبعاً أدوات المطبخ اللى نقيتها ماركة ماركة، من اللى بيعيش العمر كله. كل قطعة فى الشنط دي كانت وراها قصة تعب وسهر ويام قاسية.
حكايات رومانى مكرم
القصة بدأت لما شركتى بلغتنى بإن فى رحلة شغل مهمة لمدة أسبوع برة المحافظة. مكنتش عايزة أسيب الأوضة اللى قافلة فيها على شقايا، بس أكل العيش حكم. قفلت شنطى كويس، ووصيت “سعاد” مرات أبويا على الشقة، رغم إنى مكنتش بميل ليها، بس مكنش قدامى حل تانى، وأبويا راجل على باب الله مالوش فى تفاصيل البيت.
سافرت الأسبوع، وطول الوقت بالى مشغول، بشتغل وعينى على التليفون، وكل ما اتصل بأبويا يقولى: “كله تمام يا بنتى، متقلقيش”. ركبت القطر ورجعت، وكنت واصلة هلكانة من التعب، بس الشوق لأوضتى وحاجتى كان هو اللى محركنى.
دخلت الشقة، هدوء غريب. مشيت لغاية أوضتى وفتحت الباب.
للوهلة الأولى، مخدتش بالى.. بس لما عيني جت على الركن اللى كنت حاطة فيه شنط السفر الكبيرة، قلبى سقط فى رجليا.
المكان فاضى!
الشنط الكبار اللى فيهم لبس البيت المستورد وعبايات الاستقبال.. مش موجودين! كرتونة أدوات المطبخ الغالية.. اختفت!
جريت فى الصالة زى المجنونة، بصرخ وبتنفس بصعوبة: “بابا! يا سعاد! الشنط فين؟ حاجتى فين؟”
طلعت سعاد من المطبخ، بتطوح فى مشيتها وبرود الدنيا كله فى عيونها، ووراها أبويا اللى كان باصص فى الأرض ووشه جايب ألوان.
#الكاتب_رومانى_مكرم
قالت سعاد بنبرة باردة ومستفزة: “جرى إيه يا بت يا هند؟ داخلة بزعابيبك ليه؟ الشنط وأدوات المطبخ خديتهم لبنت أخويا “هبة”، فرحها الأسبوع الجاى ومكنش معاهم يكملوا جهازها، وأنتى كدة كدة فركشتى وخطوبتك باظت، يعنى حاجتك مركونة ملهاش عازة.. قولت أعمل ثواب ونستر البت، وأنتى لسة شابة وتصنعى غيرهم!”
فجاء
وقفت مكاني، الدم اتجمد في عروقي، والكلام هرب من لساني. كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا، وصوت “سعاد” وهي بتقول “وأنتي لسة شابة وتصنعى غيرهم” بيتردد في وداني زي الخناجر. بصيت لأبويا، كنت مستنية منه يزعق، يثور، يقولها إزاي تمدي إيدك على حاجة بنتي وشقا عمرها؟ لكنه فضل باصص في الأرض، إيديه كانت بترتعش، ودمعة عاجزة نزلت من عينه وهو بيقول بصوت مكتوم: “معلش يا هند يا بنتي.. ستر البنات ثواب، وأنا وافقتها عشان نكفي قرايبها شر الحوجة، والشنط كانت مقفولة ومحدش هيدري إنها حاجتك”.
في اللحظة دي حسيت إن ظهري اتكسر، مش من مرات أبويا، لكن من السند اللي كنت فاكراه هيحميني. صرخت بكل قهر السنين اللي فاتت، صرخة طلعت من جـ,ـرح غويط: “ثواب؟! ثواب من شقايا وتعب أفاي؟ ثواب وأنا كنت بحرم نفسي من اللقمة عشان أجيب القطعة دي؟ دي مش مجرد شنط.. ده عمري اللي فات كله!”
سعاد حطت إيدها في وسطها وقالت بقلة أصل: “بقولك إيه.. متعمليش لينا مناحة في البيت. الحاجة راحت لبيت جوز البت وخلاص اتفرشت، والناس شافتها. مش هتروحي تفضحينا وتلمي علينا أمة لا إله إلا الله عشان شوية هدم وبوتجاز وحلل! أحمدي ربنا إننا بنعمل بيكِ ثواب”.
مقدرتش أستحمل كلامها المستفز ولا برودها. عينيا غامت من الدموع، ومبقتش شايفة قدامي. جريت على أوضتي، قفلت الباب عليا بالمفتاح، وانفجرت في عياط هستيري. كنت ببص للمكان الفاضي اللي كانت الشنط مالياه، وحاسة إن روحي هي اللي اتسـ,ـرقت مش جهازي. اللبس المستورد اللي نقيت ألوانه وتفاصيله عشان أكون ملكة، العبايات الشيك اللي كنت شايلاها لليوم اللي هبقى فيه عروسة، وحتى أدوات المطبخ اللي كنت بختارها ماركة ماركة عشان تعيش معايا العمر.. كل ده بقى في بيت واحدة تانية، وبتفرح بيه على جاهز من غير ما تدفع فيه قرش واحد تعب.
تلفوني رن، كانت صاحبتي الأنتيم “مروة”. رديت عليها وأنا بشرق من الكتمة والعياط. مروة اتخضت وقالت: “في إيه يا هند؟ مال صوتك؟ أنتي رجعتي من السفر؟”
حكيت ليها وكل كلمة كانت بتطلع بحرقة من قلبي. مروة سكتت ثواني من الصدمة، وبعدين زعقت في التلفون بغل: “أنتي هتقعدي تعيطي؟ الحاجة دي لازم ترجع يا هند! دي سـ,ـرقة علني! أنتي عارفة بنت أخوها هبة دي ساكنة فين؟”
مسحت دموعي فجأة، وكأن كلام مروة صحى فيا روح تانية. روح البنت اللي شقيت من صغرها ومبتستسلمش. قولت لها بصوت متحشرج بس قوي: “عارفة.. سعاد كانت دايماً تتباهى بشقة بنت أخوها اللي في أول الشارع الوراني”.
مروة قالت لي: “أنا جايلك حالاً، البسي واجهزي.. شقا عمرك مش هيروح للي ميسواش، والفرش ده لازم ينزل لو على رقبتنا”.
نزلت من على السرير، غسلت وشي، وبصيت في المراية. مكنتش شايفة البنت المكسورة بتاعة من شوية، كنت شايفة البنت اللي مش هتسمح لحد يسـ,ـرق تعبها ويقول “ثواب”. لبست عبايتي، ووقفت مستنية مروة وأنا برتب في دماغي هعمل إيه لما أوصل لشقة “هبة” العروسة الجديدة اللي قررت تفرح بحاجة غيرها.
