رجع

رجع من السفر فجأة ومن غير ميعاد، قفش الشغالة مع ولاده التوأم في المطبخ.. ولما شاف السر اللي كانت مخبياه عنه وعن البيت كله، قلبه اتكسر من الصدمة وعرف إنها أنقذتهم من الموت!
أنا رجعت قبل معادي ب ٣ أيام عشان أكتشف الحاجة الوحيدة اللي كنت مانعها ومحرمها في البيت ده كله الحنان!
قصر سليم الشافعي المفروض كان يكون مقلوب ودوشته جايبة لآخر الشارع؛ بوجود طفلين توأم عندهم ٨ شهور بس تحت سقفه، المفروض يكون فيه صوت عياط، لعب بتترج، خطوات سريعة، ووشوشة واعتذارات من الشغالات والخدم الهلكانين. بس الصدمة إن صالة الرخام الكبيرة أول ما دخل استقبلته بسكوت تام وقاتل، سكوت غريب كأنه متفبرك ومتظبط بالمسطرة.
خطى سليم جوة البيت، وهو لسه لابس بدلته الشيك اللي جاي بيها من سويسرا، وشنطة السفر في إيده.
زعق بصوت عالي يا كلارا؟
محدش رد.
في ثانية واحدة صدره ضاق ونَفَسه اتكتم.
من يوم ما مراته إيفيلين ماتت وهي بتولد التوأم يوسف وياسين، وسليم بنى حياته كلها على نظام صارم ومستحيل يتهد؛ مواعيد، قواعد، جداول طبية، وببرونات معقمة ومترتبة كأنها طابور عسكري! مفيش أي مشاعر أو تجاوز من الخدم، ممنوع حد يهز العيال عشان يناموا لفترة طويلة، وممنوع حد يشيلهم ويتمشى بيهم من غير لزمة.
كان دايماً بيقنع نفسه ويقول التعلق والمشاعر مابيجبوش إلا الوجع والخسارة.
وفجأة.. سمع صوت دندنة غنوة هادية.
الصوت كان دافي، منتظم، وفيه كمية حنية تخطف القلب.
الصوت كان طالع من المطبخ.
مشى سليم ورا الصوت ووقف على باب المطبخ والذهول شل حركته.
كلارا، البنت الشغالة الغلبانة، كانت واقفة جنب رخامة المطبخ وبتمسحها بجوانتي أصفر. وعلى ظهرها، كانت رابطة ومثبتة ولاده التوأم بحمالة أطفال قماش لونها رمادي دافي.
ال ٢ صاحيين.
وال ٢ مبتسمين وفرحانين!
صوابع يوسف الصغير كانت مكلبشة في حمالة كلارا، وياسين ساند خده الصغير على ظهرها بكل

أمان وهدوء زي نور الفجر. دول نفس العيال اللي كانوا بيصرخوا ويقلبوا الدنيا في الاستحمام، وبيرفضوا أي مربية، ويفضلوا يعيطوا لحد ما وشهم يحمر ويزرق من كتر الصراخ!
بس مع كلارا، كانوا في قمة السلام والهدوء.
سليم نسي الروح بتطلع وتدخل إيزاي من الصدمة.
لثانية واحدة غريبة، المطبخ مكنش باين إنه أوضة في قصره البارد.. كان باين إنه بيت حقيقي وفيه دفا عيلة.
زعق فجأة بغضب وزلزل المكان إيه اللي بيحصل هنا ده؟!
كلارا لفت برعب، ووشها بقى أبيض زي الأموات سليم بيه! أنا.. أنا مسمعتش صوت حضرتك وأنت داخل.
قالها بنبرة حادة وناشفة نزلي العيال دي حالا من على ظهرك!
شفايفها اترعشت يا بيه.. العيال كانوا متقهرين وبيعيطوا، أنا كان قصدي يدوب أهديهم..
حالا قولت لك!
بإيدين بترتعش من الخوف، كلارا فكت الحمالة؛ وفي اللحظة اللي جسم العيال بعد فيها عن دفا جسمها وحنيتها، الطفلين انفجروا في العياط في ثانية واحدة!
مكنش عياط طبيعي..
ده كان صراخ بوجع، وجسمهم الصغير بيتنفض من الخوف والشهق.
كلارا قربت بالفطرة وحنان الأمومة أنا.. أنا هعرف أهديهم حالا يا بيه.
اقفي مكانك ومتتحركيش!
بص سليم لولاده وبعدين للبنت الطيبة اللي واقفة قدامه. وش كلارا كان باين عليه التعب والهلاك من الشغل، بس عينيها كان فيها نظرة قوية، نظرة تحدي وحماية مرعبة للعيال.
سألها براحة ونبرة صوته مرعبة ليه.. ليه مابيبطلوش عياط إلا وأنتِ معاهم وحاضناهم كدة؟
كلارا بلعت ريقها لأنهم عارفيني وحاسين بيا.
هم عارفين كل المربيات والدكاترة اللي في البيت ده!
همست والدموع في عينيها لأ يا بيه.. مش بالشكل ده، وم ش بالطريقة دي.
الكلمات نزلت فوق دماغه زي الصاعقة وهزت كيانه.
وقبل ما سليم يلحق ينطق بكلمة ثانية، ظهرت مديرة البيت على باب المطبخ ووشها كله شر.
وقالت بخبث سليم بيه! حمد الله على السلامة، حضرتك جيت بدري. وعينيها راحت لكلارا وللعيال اللي بيصرخوا أنا كنت يدوب بشوف الشغل بره، وأكيد كلارا اتدخلت في اللي ملهاش فيه تاني!
سليم لف وشها ليها وفين المربيات بتوع العيال؟
مديرة البيت اتشنجت وقالت بكدب في فترة الراحة بتاعتهم.. وكلارا دي دايماً بتخالف أوامرك وتتدخل غصب عننا.
تاني؟
كلارا وطت رأسها الأرض في سكات.
مديرة البيت ربعت إيديها بجبروت البت دي دايماً بتكسر كلامك وتعليماتك يا بيه؛ بتقعد تشيلهم وتطبطب عليهم وتغني لهم، وعاملة نفسها فاهمة ومسؤولة أكتر من الدكاترة والمربيات الأجانب اللي جايبينهم!
صوت عياط التوأم علي وزاد وبقى يقطع القلب.
سليم كز على سنانه بغضب مكتوم اطلعي برة وسيبينا لوحدنا.
المديرة برقت بعينيها أنا يا فندم؟
بقولك برة حالا!
أول ما مشت واختفت، المطبخ بقى واسع وبارد، والسكوت كبس على المكان.
كلارا كانت واقفة مكانها مابتتحركش، والدموع محبوسة في عينيها ورافضة تنزل.
قال سليم بنبرة حازمة اتكلمي وفهميني فيه إيه.
مدت كلارا إيدها في جيب المريلة بتاعتها، وطلعت ورقة متطبقة لونها بيج غامق، الحروف بتاعتها كانت دايبة ومتبهدلة من كتر ما اتفتحت واتقرأت مرات ومرات.
وقالت بصوت مكسور كان لازم أقولك من زمان يا بيه.. بس مديرة البيت هددتني وقالت لي لو فتحت بوقي هتمشيني وتطردني برة قبل ما حضرتك تسمع مني كلمة واحدة.
سليم مد إيده وأخد الورقة.
أول ما بص على الخط، عرفه صم.. خط مراته ومحبوبته إيفيلين!
ركبه خبطت في بعضها ومبقاش قادر يقف على رجله وهو بيقرأ السطور
سليم يا حبيبي.. لو حصل لي حاجة وأنا بولد، دور على كلارا علطول وأمنها على العيال.. هي الوحيدة اللي هتفهم هم محتاجين إيه قبل
أي حد تاني في الدنيا.
قرأ السطور دي ٣ مرات ورا بعض وعينه زغللت من الصدمة.
زعق وصوته بيترعش الورقة دي جاتلك منين والخط ده بتاع مراتي إزاي؟!
صوت كلارا اتشرخ من العياط الهانم الله يرحمها هي اللي ادتهالي بنفسها قبل الولادة بأسبوعين.
أنتِ كنتِ تعرفي مراتي؟!
كلارا هزت رأسها بالوجع أنا كنت شغالة في بيت عيلتها القديم من قبل ما تتجوزك.. مكنتش شغالة بمسح وبنظف في الأول، أنا اللي كنت برعاها وبخلي بالي منها وبسهر جنبها لما تعبت وجاتها السخونية الشديدة في الشتا.
حلق سليم اتجف والندم بدأ يأكل في قلبه؛ افتكر فجأة إن إيفيلين زمان قالت له إن فيه بنت طيبة كانت بتغني لها أغاني دافية وهي تعبانة وفي غيبوبتها، بس هو وقتها مكنش فاضي ولا ركز معاها من كتر مكالمات الشغل والمستشفيات والشركات.
كملت كلارا كلامها وهي بتبكي الهانم قالت لي إنها خايفة.. مكنتش خايفة من الموت، كانت خايفة إن ولادها يكبروا في بيت كله قوانين صعبة وجداول، ومن غير حِضن دافي يلمهم!
سليم اتنفض كأنه اتضرب بقلم على وشه.. الكلام وجعه وجاب أجله.
بصت كلارا للتوأم اللي هيموتوا من العياط وقالت بحنية وكسرة نفس تسمح لي أشيلهم يا بيه؟
وفي اللحظة دي بالظبط، والكل حابس نَفَسه، سليم وافق وهز رأسه، وكلارا أخدت العيال في حِضنها والسر المرعب اللي هيتكشف اللحظة الجاية لما سليم يفتش أوضة مديرة البيت ويلاقي المصيبة اللي كانت بتعملها في العيال عشان يفضلوا يعيطوا ويجيلهم تشنجات هيخلي الكل يتصدم في التعليقات!
يا ترى سليم هيعمل إيه في مديرة البيت والمربيات الأجانب بعد ما كشف حقيقتهم وخيانتهم للأمانة؟ وإيه المخطط المرعب اللي مديرة البيت كانت بتعمله عشان تخلص من العيال وتاخد الثروة كلها ليها؟ وهل كلارا الشغالة الغلبانة هي اللي هتبقى الأم الحقيقية وتعيش في القصر تالت ومتلت؟
أول ما كلارا خدت التوأم في حضنها
المعجزة حصلت قدام عين سليم.
العياط وقف.
مش بالتدريج لأ.
وقف كأن حد طفى إنذار كان شغال جوة قلب العيال.
يوسف دفن وشه الصغير في رقبتها، وياسين مسك في هدومها بإيديه الصغيرين وهو بيشهق آخر شهقة عياط وبعدها سكت تمامًا.
المطبخ كله بقى هادي.
وسليم
واقف في نصه كأنه أول مرة يشوف ولاده بجد.
أول مرة يشوفهم أطفال.
مش ملفات طبية.
ولا مواعيد تطعيم.
ولا جداول نوم وأكل.
أطفال محتاجين حضن.
في اللحظة دي، افتكر آخر مرة شاف فيها مراته إيفيلين قبل الولادة.
كانت قاعدة في أوضة البيبي، ماسكة بطانية صغيرة وبتقول له بابتسامة هادية أوعى تخليهم يكبروا بردانين يا سليم.
وهو وقتها رد ببرود الأطفال محتاجين نظام.
دلوقتي فهم هي كانت تقصد إيه.
رفع عينه لكلارا وقال بصوت متحشرج عاوز أشوف أوضة مديرة البيت.
كلارا اتوترت فجأة يا بيه بلاش دلوقتي.
لكن سليم كان اتحول لشخص تاني.
طلع من المطبخ بخطوات سريعة، وكلارا ماشية وراه والتوأم على صدرها.
طلعوا للدور التاني.
وقف قدام أوضة مدام ناهد مديرة البيت.
الباب كان مقفول.
سليم خبط مرة.
محدش رد.
خبط بعنف أكبر.
برضه مفيش.
في الثانية دي، غضبه انفجر.
رجله نزلت في الباب بقوة لدرجة القفل اتخلع والخشب اتشرخ.
وأول ما دخل
ريحة غريبة ضربت وشه.
ريحة دوا.
ريحة كحول.
وريحة أطفال.
لكن مش ريحة طبيعية.
كانت ريحة خوف.
الأوضة كانت مرتبة زيادة عن اللزوم.
وده أول حاجة خلت قلبه يقبض.
سليم قرب من الدولاب.
فتحه.
واتجمد.
جواه علب أدوية مهدئة للأطفال.
جرعات قوية.
وفواتير

شراء بأسماء مزورة.
وأجهزة تسجيل صغيرة.
وكاميرا متوصلة بأوض الأطفال!
سليم حس الدم بيغلي في عروقه.
لكن الكارثة الحقيقية كانت في الدرج الأخير.
ملفات.
تقارير.
وصور.
صور لولاده وهم بيعيطوا ويتشنجوا.
ومكتوب تحت كل صورة ملاحظات بخط ناهد زيادة الجرعة نجحت. التوأم بيرفضوا النوم بعيد عن المربية. الأب بدأ يقتنع إن عندهم اضطراب عصبي.
ركب سليم خانته.
مسك طرف المكتب بإيده وهو بيحاول يتنفس.
كلارا كانت واقفة ورا ضهره بتعيط في صمت.
قال من بين سنانه هي كانت بتعمل فيهم إيه؟!
كلارا شهقت كانت بتديهم نقط مهدئات بجرعات غلط يا بيه عشان يفضلوا تعبانين ومرهقين طول الوقت.
لف لها بسرعة ليه؟!
دموعها نزلت عشان كانت عاوزة تثبت إن التوأم عندهم مشاكل صحية خطيرة وتخلي حضرتك تعتمد عليها هي والمربيات اعتماد كامل.
بس ليه؟!
كلارا سكتت ثواني.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت الدنيا
لأن الهانم الله يرحمها كانت ناوية تغير وصيتها.
سليم حس قلبه وقع.
إيفيلين كانت كاتبة معظم ثروتها وحق إدارة نص الشركات باسم ولادها.
لكن في حالة مرضهم أو وفاتهم
الإدارة المؤقتة كانت هتروح للوصي القانوني ومديرة البيت القديمة ناهد، لأنها كانت مربية سليم من صغره وبيثق فيها ثقة عمياء.
يعني لو التوأم حصل لهم أي حاجة
الثروة كلها كانت هتبقى تحت إيدها.
في اللحظة دي، سمعوا صوت حركة وراهم.
ناهد كانت واقفة على باب الأوضة.
وشها متحول.
ملامحها بقت مرعبة.
صرخت بانهيار إيفيلين كانت غبية! الأطفال دول كانوا هيدمروا كل حاجة!
سليم قرب منها ببطء مرعب إنتِ كنتِ بتموتي ولادي بالبطيء؟
صرخت هستيريًا أنا اللي ربيتك! أنا اللي صنعت منك الراجل ده! كل حاجة هنا كانت هتضيع بسبب عيال!
وراحت مطلعة حاجة من جيبها.
حقنة.
لكن قبل ما تتحرك خطوة
سليم مسك إيدها بعنف لأول مرة في حياته.
والحقنة وقعت واتكسرت على الأرض.
بعدها بخمس دقايق
الشرطة كانت مالية القصر.
التحقيقات كشفت بلاوي.
المربيات الأجانب كانوا بياخدوا فلوس ضخمة عشان ينفذوا تعليمات ناهد من غير أسئلة.
والتوأم فعلًا كان بيجيلهم تشنجات بسبب الجرعات.
أما كلارا
فكانت بتحاول تحميهم في السر من شهور.
كانت ساعات ترمي الدوا.
وتفضل شايلة العيال بالساعات عشان تهدي رعشتهم بعد المهدئات.
ولما ناهد اكتشفت ده
هددتها بالطرد والسجن.
لكن كلارا فضلت.
عشان وعد قطعته لإيفيلين.
بعد شهرين
القصر
اتغير.
اختفى صوت الأوامر العسكرية.
واختفت جداول البرود المعلقة على التلاجة.
وبقى فيه صوت ضحك أطفال.
ولعب مرمية في الصالة.
وسليم
بقى أول مرة يشيل ولاده بإيده فعلًا.
في البداية كانوا بيعيطوا منه.
مش متعودين عليه.
وكان الوجع ده بيموته.
لكن كلارا كانت تقف جنبه بهدوء وتقول اصبر عليهم الأطفال بيحسوا بالأمان بالتدريج.
وفي يوم مطر
سليم دخل المطبخ.
ولقى يوسف وياسين قاعدين على الأرض بيضحكوا.
وكلارا بتعمل لهم بان كيك صغير على شكل دباديب.
التوأم أول ما شافوه
جروا يحبوا ناحية رجله الصغيرة.
ورفعوا إيديهم له.
بابا!
الكلمة خبطت في قلبه بعنف.
شالهم الاتنين دفعة واحدة.
ولأول مرة من موت إيفيلين
ضحك من قلبه.
بص لكلارا وهي واقفة تضحك بعينيها الدافية، وقال بصوت هادي إيفيلين كانت صح البيت من غير حنان يبقى مجرد فندق كبير.
كلارا نزلت عينيها بخجل.
وسليم قرب من صورة مراته المعلقة في الصالة بعد ما ناموا بالليل.
فضل واقف قدامها طويل.
وبعدين همس متقلقيش ولادنا بقوا بخير.
وفي آخر الممر
كان فيه صوت ضحكة طفلين صغيرين مالية القصر كله حياة بعد ما كان مجرد قبر رخام بارد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *