عارفه

عارفة يعني إيه جوزك يبص لجسمك بقرف ويقولك ‘أنتي تسدي النفس’؟ وميبقاش طايق يلمسك؟.. في اللحظة دي بالذات، الدموع اللي اتجمدت في عيني اتحولت لخطة شياطين، وقررت إن الغمقان اللي بيعايرني بيه، هقلبه ضلمة تِكحل حياته هو وأهله!”

​قاعدة قدام المراية، باصة لملامحها اللي الحزن والكسرة طفوا نورها. ياسمين بنت جميلة، ملامحها شرقية هادية، بس كلام “شريف” كان زي مية النار. دخل الأوضة وهو بيقلع ساعته، رمى نظرة سخرية من فوق لتحت وقال ببرود مستفز:

​”بقولك إيه يا ياسمين.. أمي وأختي جايين بكرة، ياريت تلبسي حاجة مقفولة .. مش ناقصين تريقة، أنتي عارفة بقى.. الأماكن الغامقة اللي عندك دي تقرف، وأنا الصراحة مبقتش طايق أشوفها!” ولا طايق المسها

​شريف سابها ونام وهو مش فارق معاه إنه دبحها، بس هو ميعرفش إن ياسمين القديمة ماتت في اللحظة دي.

​تاني يوم، العزومة اشتغلت. حماتها “الحاجة فوزية” وأخته “شيرين” قاعدين، وعينيهم بتاكل ياسمين بلؤم. شيرين وهي بتشرب العصير قالت بضحكة صفرا:

​”بس يا يويو، لازم تاخدي بالك من نفسك شوية.. الراجل عينيه بتزوغ لما يلاقي مراته مش ملاية الهدوم، وفيها عيوب تتسد منها النفس!”

​شريف كان قاعد بيضحك وفخور بيهم. ياسمين كانت واقفة في المطبخ، بتسمع وكل خلية في جسمها بتغلي. بس المرة دي مفيش عياط. ياسمين افتكرت الموبايل القديم بتاع شريف اللي وقع في إيدها وفيه بلاوي وخيانات، وافتكرت السر اللي أخته شيرين مخبياه عن جوزها، والحماه العزيزة اللي بتسرق دهب بنتها التانية!

​بصت لنفسها في مراية المطبخ وابتسمت ابتسامة مرعبة وقالت:

​”طالما العيوب بقت بالمعايرة.. أنا هخلي عيوبكم وفضايحكم تتباع ببلاش في وسط المنطقة

دخلت ياسمين الصالة وهي شايلة صينية القهوة، وعلى وشها ابتسامة هادية جداً، ابتسامة غامضة خلت شيرين تبطل ضحك فجأة وتقلق. حطت الصينية وقعدت بكل برود، حطت رجل على رجل وبصت لشريف اللي كان لسه مبتسم وبيمط شفايفه بسخرية.

​ياسمين وبكل ثقة وجبروت:

“تسلمي يا شيرين يا حبيبتي على النصيحة.. بس الصراحة، الراجل برضه عينيه بتزوغ لما يلاقي اللي معاه مابتريحوش، أو لما يكتشف إنها بتدور على برة.. مش كده برضه ولا إيه يا شيريتو؟”

​شيرين وشها جاب ألوان، والضحكة اتجمدت على شفايفها: “قصدك إيه يا ياسمين؟”

​ياسمين ضحكت ضحكة رنانة:

“ولا حاجة يا روحي، بس أصل افتكرت صاحبتك ‘نهى’.. اللي كنتي عندها الأسبوع اللي فات لما جوزك سأل عليكي وقلتيله إنك بايتة معاها عشان تعبانة.. تحبي أقوله نهى كانت عاملة إيه، ولا تقولي أنتِ الموبايل التاني اللي متشال في الدولاب وعليه رسايل ‘الكابتن’ فيه إيه؟”

​الصدمة نزلت على شيرين زي الصاعقة، اتنفضت من مكانها وجسمها كله بيترعش، وبصت لأمها وهي مش قادرة تنطق بكلمة.

​هنا اتدخلت الحاجة فوزية بصوت جهوري وهي بتخبط على صدرها:

” جرى إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ اتهبلتي في عيبك؟ جاية تتبلي على بنتي في بيتها وقدام أخوها؟”

​ياسمين لفت ليها ببرود قاتل، وسندت ضهرها لورا:

“أنا أتبلى برضه يا حاجة فوزية؟ طب بلاش شيرين.. تحبي نتكلم في الأمانة؟ الغويشتين والخاتم بتوع بنتك الكبيرة ‘مروة’.. اللي قلبت الدنيا عليهم وفكرت إنهم ضاعوا في المترو، تفتكري لو دورت في شنطة قطيفتك اللي تحت السرير هلاقيهم؟ ولا بلاش.. نقول لمروة إن أمها الحنينة هي اللي غفلتها وخدتهم عشان تدفع قسط جمعية شيرين؟”

​الحاجة فوزية بقها اتفتح من الصدمة، وإيديها اترعشت، والسبحة وقعت من إيدها على الأرض. وبقت تبص لياسمين ورعب الدنيا كله في عينيها.

​شريف كان قاعد زي الأطرش في الزفة، عيونه بتلف بين أخته اللي بتموت من الرعب، وأمه اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة. وقف وزعق بعلو صوته:

“أنتِ بتقولي إيه يا ياسمين؟ أنتِ اتجننتي؟ أنتِ بتخرفي بأي كلام عشان تداري على قرفك؟”

​ياسمين وقفت بكل شماتة، قربت من شريف ولأول مرة تبص في عينه بقوة وتحدي زلزلته. طلعت موبايلها القديم من جيبها، وفتحت شاشة الرسايل والصور، ولفت الموبايل ناحيته:

​”أنا مبخرفش يا شريف بيه.. ده موبايلك القديم اللي نسيت تمسح اللي عليه.. الرسايل والصور اللي بينك وبين ‘شروق’ صاحبة أختك، والكلام المقرف اللي كنت بتقوله عليها وعليا.. والوعود اللي كنت بتوعدها بيها بفلوس ورثي أنا اللي أنت لسه واكل حقي فيه! تحب بقى الفضايح دي كلها.. رسايل أختك، ودهب بنتك، وخيانتك أنت.. تنزل بكرة على جروب المنطقة والكل يتفرج على عيلة ‘أبو الدهب’ المحترمة؟”

​شريف حس إن الأرض بتلف بيه، النفس اتكتم في صدره وهو شايف عيلته كلها بتنهار في ثواني، والست اللي كان بيعايرها ويهينها، بقت هي اللي ماسكة حبل المشنقة وبتلفه حوالين رقابهم كلهم.

​شريف صوته طلع مخنوق ومتوتر: “ياسمين.. أنتِ.. أنتِ عايزة إيه؟”

​ياسمين ابتسمت ابتسامتها المرعبة وقالت:

“عايزة حقي.. تطلقني حالا، ورثي من أبويا اللي خدته مني يرجعلي قرش ينطح قرش، والمؤخر والنفقة يتدفعوا كاش ودلوقتي.. وإلا قسماً بالله، هخلي سيرتكم على كل لسان، وأخليكم تمشوا في الشارع موطيين روسكم من الخزي والفضائح!”

​الحاجة فوزية عيطت بكسرة وقالت لبنتها ولابنها: “ادولها اللي هي عايزاه.. دي شيطانة.. دي هتموتنا بفضيحة!”

​وفي أقل من ساعة، كانت ياسمين واخدة كل مليم من حقها، وشنطة هدومها في إيدها، وورقة طلاقها في الإيد التانية. بصت لشريف اللي كان قاعد على الكنبة حاطط راسه بين إيديه ومكسور، وقالتله جملة أخيرة قبل ما تقفل الباب وراها:

​”الأماكن الغامقة اللي في جسمي بتتعالج بشوية كريمات يا شريف.. لكن السواد والغل والخيانة اللي في قلوبكم، مفيش مية بحر تنظفها.. سلام يا ‘طليقي العزيز’!”

​خرجت ياسمين للشارع، ونسمة الهوا خبطت في وشها، ولأول مرة من سنين تحس إنها بتتنفس بجد، والنور رجع لوشها بعد ما طفت حياتهم بالضلمة اللي يستاهلوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *