من

من واحنا خمس سنين بابا عمل مشكله مع ماما وكان بيعايرها بانها جهله وساب البيت وطفش ومجاش تانى… ماما نزلت اشتغلت فى البيوت عشان تعرف تربينا وتعلمنا وفعلاً علمتنا ودخلنا كليات قمه ورفضنا انها تشتغل بعد كده وبقيت انا واخويا نقوم بكل مصاريفها وقررنا إننا نعوضها

بعد فتره اخويا اتعرف على بنت رغم إن مستواها العلمى مش نفس مستواه بس قرر إنه يرتبط بيها

اخدنا ماما وروحنا نقابل أهلها

 

أخدنا ماما وروحنا نقابل أهلها.. ماما كانت لابسة أحسن ما عندها، ملامحها الشقيانة والراحة اللي حستها بعد سنين التعب كانت باينة في ضحكتها وهي شايفة ابنها الكبير بيخطب ويؤسس حياته. وصلنا العنوان، شقة متوسطة في حي شعبي، أخويا كان متوتر وفرحان في نفس الوقت، وماما عمالة تطمنه وتدعي له في سرها.

خبطنا على الباب، فتحت البنت ووشها منور بالترحيب، ودخلنا الصالون. ثواني وخرجت والدتها، ست باين عليها الاهتمام الشديد بنفسها، سلمت علينا بترحيب مبالغ فيه وفي نبرتها حتة “تنازل” مش مبررة، بس عدينا الموضوع عشان فرحة أخويا.

وفجأة.. الباب الخارجي اتفتح، وصوت خطوات رجالي دخلت الشقة، وصوت بيقول بنبرة عالية:

ـ يا فوزية.. الجماعة وصلوا ولا لسه؟ أنا جبت الحاجه الساقعة والـ…

الكلام مقطوعش.. الكلام اتمسح من الوجود!

الراجل دخل الصالون، وفجأة عينه جت في عين ماما.. وبعدين في عيني أنا وأخويا. الزمن وقف، الهوا اتمحبس في الأوضة، والشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض وكل اللي فيها اتدلق.

الراجل اللي واقف قدامنا، بشعره اللي غزا الشيب أكتره، وملامحه اللي كبرت.. هو نفسه الراجل اللي سابنا وإحنا عيال حافيين ومشي! هو بابا!

أخويا وقف مكانه زي الصنم، ملامحه اتقلبت في ثانية من الفرحة للذهول التام، وأنا حسيت بركبي مش شايلاني. بصيت لماما.. لقيتها بتترعش، وشها بقى أبيض زي الأموات، وعينها مثبتة عليه بوجع وسنين شقى وعذاب مروقش منهم ثانية واحدة.

لقيت الست (أم البنت) بتقرب عليه بدلع وبتقول:

ـ في إيه يا عبد العزيز؟ مالك اتسمرت مكانك كده ليه؟ سلم على عريس بنتك وأمه!

كلمة “أم عريس بنتك” نزلت علينا زي الصاعقة. عبد العزيز؟ عبد العزيز اللي طفش وساب مراته عشان “جاهلة” على حد وصفه، راح اتجوز الست دي وعايش معاها ومربي بنتها من فلوسه وشقاه اللي كنا أولى بيه! الست دي هي اللي خربت بيتنا، والبنت اللي أخويا رايح يخطبها هي بنت الراجل اللي كسرنا وإحنا عيال!

بابا كان واقّف بيبص للأرض، مش قادر يرفع عينه في عيون “الست الجاهلة” اللي سابها تخدم في البيوت، ودلوقتي واقفة قدامه ولادها خريجين كليات قمة بملابسهم الشيك وكرامتهم اللي في السما.

أخويا بصله بنظرة كلها قرف وكسرة في نفس الوقت، وقرب خطوتين وبص للبنت ووالدتها وقال بصوت طالع من قاع جرح قديم:

ـ بقا أنت.. أنت اللي سبتنا عشانها؟ أنت اللي عايرت أمي بالجهل وسيبتنا مش لاقيين ناكل عشان تيجي تصرف على دي وبنتها؟

البنت وقفت مذهولة مش فاهمة حاجة وعمالة تصرخ:

ـ في إيه يا جماعة؟ مين دول يا بابا؟ أنت تعرفهم منين؟

ماما هنا قامت وقفت.. بكل ثبات، وبكل كبرياء الست اللي شقيت ونجحت لوحدها. مأهانتش، ومصرختش، بصت له نظرة واحدة دبحته بيها، وقالت بصوت هادي ومزلزل:

ـ يلا بينا يا ولاد.. إحنا مكاننا مش هنا، ولا ينفع نناسب ناس “ميعرفوش الأصول”.

تفتكروا باباهم ندم ولا لأ ؟؟

وهل البنت هتحاول تانى ترجعه ولا خلاص كده

خرجنا من الشقة والكون كله بيلف بينا. السلم اللي نزلناه في ثواني حسيت إنه أطول من السنين اللي عشناها في الشقى. أمي كانت ماشية في النص، ساندة إيدها على كتفي وإيدها التانية في إيد أخويا. كانت بتترعش، بس راسها مرفوعة فوق، النظرة اللي في عينها كانت مزيج مرعب من النصر الممزوج بوجع بيقطع الشرايين.

ورا الباب اللي قفلناه، كان صوت الصريخ لسه واصلنا. صوت البنت وهي بتنهار وتطالب بفهم، وصوت أمها اللي نبرة التنازل والتعالي بتاعتها اتمحت تماماً واتبدلت بذهول ورعب من الفضيحة ومن الحقيقة اللي ظهرت فجأة.

أول ما وصلنا الشارع، الهوا ساقع خبط في وشنا. أخويا “أحمد” ساب إيد أمي وفجأة قعد على رصيف الشارع، حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مكتوم.. صوت راجل حلم حياته وفرحته اتهدوا في لحظة، وبأبشع طريقة ممكنة. البنت اللي اختارها وقلبه دق ليها، طلعت عايشة بفلوس أبوه، الراجل اللي حرمه من كلمة “بابا” وحرمه من اللقمة.

أمي قربت منه، وطيت على ركبتها في الشارع من غير ما يهمها نظرات الناس، خدت راسه في حضنها وقالت بنبرة قوية مشروخة:

ـ “إرفع راسك يا أحمد.. إرفع راسك يا ابن قلبي. دموعك دي غالية قوي، والراجل ده ميسواش تكسر نفسك علشانه. إنتوا كبرتوا وبقيتوا رجالة تشرف بلد، هو اللي المفروض يدير وشه ويمشي واطي.”

رجعنا البيت.. البيت اللي بناه شقانا وعرق أمي في البيوت. مفيش حد فينا نام ليلتها. أحمد قفل على نفسه أوضته، وأنا فضلت قاعد مع أمي في الصالة. كانت ماسكة السبحة، وعينها سرحانة في الفراغ. سألتها بصوت مخنوق:

ـ “يا ماما.. كنتِ عارفة؟ كنتِ حاسة إن الدنيا هتدور وتجيبنا قدامه؟”

بصت لي وابتسمت ابتسامة مليانة مرار:

ـ “الدنيا دي دقة بدقة يا بنتي.. اللي بيظلم وبيسيب لحمه ويرميه، ربنا مبيسبهوش. أنا عمري ما دعيت عليه بالشر، كنت دايما بقول ‘حسبي الله ونعم الوكيل’.. والنهاردة ربنا وراني الوكيل عمل إيه. شفتي عينه وهي في الأرض؟ شفتي كسرة نفسه قدام ‘الجاهلة’ اللي ولادها بقوا دكاترة ومهندسين؟”

تاني يوم الصبح، التليفون مأبطلش رن.

أرقام غريبة، وأرقام البنت، وأحمد قافل تليفونه تماماً. لحد ما جه الليل، والباب خبط.

قمت فتحت وأنا قلبي مقبوض.. وبمجرد ما فتحت، لقيت البنت واقفة، وشها منفوخ من العياط، وعينها مكسورة تماماً، ووراها كانت والدتها “فوزية”، الست اللي كانت داخلة بتتنازل علينا، واقفة النهاردة ووشها في الأرض، وبتقدم رجلي وتأخر رجلي.

قبل ما أنطق بكلمة، الست فوزية اتكلمت بنبرة خالية من أي كبرياء، نبرة رجاء وتوسل:

ـ “يا بنتي.. أرجوكي خلي أمتك تسمعنا. إحنا مالناش ذنب في اللي عمله عبد العزيز.. إحنا ضحية لخدعته زيكم بالظبط!”

في اللحظة دي، خرجت أمي من الصالة، ووقفت ورايا بكل هيبتها، وبصت لهم وقالت ببرود قاتل:

ـ “ادخلي يا فوزية.. ادخلي يا بنتي.. خلينا نسمع آخرة الحكاية إيه.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *