اتجوزني

اتجوزنى عشان اعمله قرض بحكم انى موظفه وبعد الجواز عملتله القرض اخده بحجه إنه هيسافر يشتغل بره لكن للأسف سافر واتجوز وعاش حياته وانا هنا بسدد وقال إنه مالوش دعوه ومش مسئول عن حاجه

اتضح إن كل كلمة حب كانت مدروسة، وكل نظرة إعجاب كانت عين بتبص على مفردات مرتبي.. هو متجوزنيش عشان يبني بيت، هو اتجوزني عشان يفتح ‘اعتماد مستندي’ لحياته الجديدة!”

يوم ما وقعت على القرض، كنت فاكرة إني بوقع على سند لضهري.. مكنتش أعرف إني بوقع على سنين من الحرمان هعيشها عشان هو يتهنى بفلوسي مع غيري.

دلوقتي، كل شهر لما ييجي ميعاد القسط، بيبقى عامل زي الس*كينة اللي بتتدبحني مرتين.. مرة عشان الفلوس اللي بتتاخد من قوت يومي، ومرة عشان بفتكر غبائي وثقتي في واحد ميسواش.

أنا هنا محبوسة جوه “سجن” الأقساط والمحاكم، وهو هناك بيفرش بيت جديد، وبيهادي غيري، وعايش حياته بالطول والعرض.. بفلوسي! بدمي! بتعبي اللي بيسحبه البنك من رصيدي كل شهر بدم بارد.

فتحت حسابي على “فيسبوك” وشفت صورته اللي نزلت بالصدفة.. كان لابس قميص جديد، وجنبه واحدة تانية بتضحك، واللوكيشن “دبي”. في اللحظة دي عرفت إن الوجع مش بس خيانة.. الوجع إنك تدفع تمن سعادة اللي دمرك!

كل أول شهر، لما بتوصلني رسالة البنك بخصم القسط، بحس إنها مش رسالة.. دي ‘لطمة’ على وشي بتفكرني بكل لحظة كنت فيها مغفلة.”

كنت بروح ادفع القسط وانا فاتحه الموبايل على صوره وهو مع حبيبته وشايلها مره على ايده ومره على كتفه

وانا

بقيت بشتغل الشفت واتنين، وبمشي أكلم نفسي في الشوارع، عشان أوفر تمن غلطة سميتها في يوم من الأيام “حب”. أصعب وجع هو إنك تشتغلي وتتعبي وتتحرمي من اللقمة، مش عشان تبني مستقبلك، لا.. عشان بتسددي تمن الخيانة اللي اتخنتيها!

بقيت بمر قدام محلات اللبس، أبص للحاجة ونفسي فيها، وبعدين أفتكر إن الفلوس دي “هو” بيصرفها دلوقتي على غيري.. بيشتريلها اللي هي عايزاه بمرتبي أنا، بضمان وظيفتي اللي شقيت فيها سنين.

كنت بقعد قدام التليفزيون أشوف قصص الستات الغارمات وأعيط عليهم، مكنتش أعرف إني واحدة منهم، بس الفرق إني “غارمة حب”.. مسجونة في ساقية مابتخلصش عشان واحد باعني بأول تذكرة طيران.

أصعب لحظة لما برجع بيتي “المطفي”، وأبص لمكانه الفاضي، وأفتكر إنه قالي: “هسافر عشان أجيب لك حتة من السما”.. أتاريه كان بيحفر لي حفرة أعيش فيها بقية عمري وأنا بسدد تمن “السما” اللي راح سكن فيها مع غيري

أنا دلوقتي مش بس بسدد قسط بنك، أنا بسدد ثمن كرامتي اللي بعتها لما صدقت إن فيه راجل ممكن يشيلني. الساقية اللي أنا مربوطة فيها دي، مش بتلف عشان تطلع مية تروي حياتي، دي بتلف عشان تحرق دمي وتصفي روحي.

تخيلوا لما أدخل السوبر ماركت وأمسك علبة الجبنة وأرجعها مكانها عشان أوفر الفرق، وفي نفس اللحظة تجيلي (ستوري) ليه وهو شايل شنط الماركات لمراته الجديدة بفلوس (الفيزا) اللي أنا لسه بدفع فوايدها!

الوجع الحقيقي إنك تكوني ‘ميتة’ قانونياً ومادياً، وهو هناك ‘عايش’ ومنعنش بدمك. لما بعتله أقوله ‘حرام عليك القسط هياكل نص المرتب والبنك باعتلي إنذار’، رد عليا ببرود يق*تل: ‘يا مدام ده قرض شخصي باسمك، وأنا ماليش إمضاء بمليم واحد.. بليه واشربي ميته!’

الكلمة دي كانت أصعب من طلقة الرصاص. عرفت ساعتها إن الوجع مش في الخيانة، الوجع في (الاستغفال). إنه كان راسم ومخطط لكل خطوة، من أول كلمة ‘بحبك’ لحد لحظة ‘التوقيع’.

بقيت بخاف أنام، بخاف أحلم، عشان الحلم بيحسسني إني لسه العروسة اللي كانت فرحانة، وبصحى على كابوس المحضرين وصوت مكنة الصراف الآلي وهي بتسحب تعبي وشقايا عشان تبعته لواحد معندوش ريحة الدم.

أنا مش (غارمة) لقمة ولا عيش، أنا (غارمة) أصل طيب وثقة في غير محلها.. أنا الست اللي اشتغلت (دادة) لطموح راجل واطي، دفعته لقدام وسابني أنا محبوسة ورا قضبان ‘الوصلات’ اللي مابتخلصش

بقت حياتي عبارة عن ‘تاريخ سداد’.. مابقتش أعرف من الشهور غير يوم (واحد) في الشهر، اليوم اللي قلبي فيه بيتحصر وأنا بشوف شقايا بيطير من قدام عيني.

أصعب لحظة لما حد من زمايلي في الشغل يسألني بضحكة: ‘إيه يا بنتي، هو جوزك مش ناوي يبعت لك زيارة؟ ولا نسينا خلاص؟’.. ببتسم بوجع وبقول ‘قريب إن شاء الله’، وأنا من جوايا عايزة أصرخ وأقولهم: ‘جوزي مش باعتلي زيارة، جوزي باعتلي (محضر) وجدول أقساط هيفضل خانقني سنين!’

كنت بدخل البيت، أفتح الدولاب، ألاقي ‘هدوم السفر’ اللي كنت شاريها له بفلوسي عشان يظهر هناك بمظهر يشرفني.. الهدوم دي دلوقتي هي اللي بتدفي واحدة تانية في حضنه، بضحكتها المستفزة، وبدلالها اللي متكلف من دمي.

وصل بيا الحال إني بقيت بخاف أرن على موبايلي لو ضاع، عشان بفتكر إنه كان هدية مني ليه في الفرح.. كل حاجة حواليا بتفكرني إني كنت ‘الممول الرسمي’ لخيانتها.

القهرة الحقيقية مش في الفلوس يا جماعة، الفلوس بتروح وتيجي.. القهرة إنك تحسي إنك كنتِ ‘رخيصة’ أوي عند واحد شفتيه ‘غالي’ لدرجة إنك ترهني عمرك عشانه. لما بقفل بابي عليا بالليل، وبسمع صوت السكون، بحس إن الحيطان بتضحك عليا وتقولي: ‘يا هبلة، كنتِ فاكرة إنك بتبني عش؟ أتاريكِ كنتِ بتبني قصر لغيرك يسكن فيه وأنتِ تندبي حظك على بابه!’

أصعب لحظة لما الليل يليل، وأقعد في الصالة لوحدي، مفيش صوت غير تكة الساعة اللي بتفكرني إن فيه قسط جديد قرب ميعاده. بقيت بحس إن ‘الحيطان’ بتعايرني، والفرش بيضحك عليا.. حتى مرتبتي اللي بنام عليها، بحس إنها بتسألني: ‘فين اللي كان حالف ميسيبكيش؟ وفين الوعود اللي كانت بتملا الأوضة دي ضحك؟’

القهرة الحقيقية لما روحت الشغل في يوم، والمدير نادى عليا وقالي: ‘يا أستاذة، فيه جواب استعلام جاي من البنك عشان القرض المتأخر، وده بيأثر على ملفك الوظيفي’.

في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.. يعني هو مش بس سرق فلوسي وعمري، ده كمان عايز يضيع ‘أكل عيشي’ والوظيفة اللي هي الحيطة الأخيرة اللي ساندايا!

طلعت من مكتب المدير وأنا حاسة إني ‘عريانة’ قدام زمايلي.. الكل بيبص لي بنظرات فيها شفقة، وأنا اللي كنت دايماً راسي مرفوعة وبساعد الكل.

فتحت الموبايل بإيد بتترعش، دخلت على صفحته.. لقيته منزل صورة وهو لابس (ساعة) غالية، نفس الساعة اللي كان نفسي أجيبها له في أول عيد ميلاد لينا سوا.. دلوقتي هو لابسها، ومراته الجديدة ماسكة إيده، والضحكة واصلة لآخر الدنيا.

دموعي نزلت حرقت خدي، وقولت بصوت مكسور: ‘يا رب، القسط بياخد نص المرتب.. والقهرة بتاخد نص العمر.. والشماتة بتاخد الباقي من كرامتي. يا ترى يا ابن الأصول، وأنت بتضحك كدة، مش بييجي على بالك إن فيه ست بتتهان في شغلها، وبتتحرم من لقمة عيشها عشان تمن ضحكتك دي؟’

أصعب ليلة مرت عليا، كانت ليلة ما النور قطع فيها عشان مكنش معايا أشحن الكارت.. قعدت في الضلمة، والضلمة اللي جوايا كانت أعتم بكتير. كنت بلمس الحيطان وبسأل نفسي: ‘يا ترى هو دلوقتي منور لغيري؟ يا ترى البيت اللي بناه بفلوسي وبضمان وظيفتي، فيه ضحك ونور ودفا، وأنا هنا بموت من السكتة والوحدة؟’

فتحت درج التربو، لقيت ‘علبة شوكولاتة’ كنت شايلاها عشان لما يرجع من السفر نحتفل سوا.. كانت منتهية الصلاحية، زي وعوده بالظبط، وزي حياتي اللي انتهت قبل ما تبدأ. رميتها في الزبالة وأنا حاسة إني برمي قلبي معاها.

تاني يوم في الشغل، الموقف زاد سوء.. زمايلي بدأوا يتودودوا: ‘شوفتوا فلانة؟ جوزها خلع ولبسها القرض وهو عايش في دبي’. النظرات كانت بتدبحني، كانت عاملة زي السياط اللي بتنزل على ضهري. بقيت بداري وشي في الورق، وبحاول أستخبى من عيونهم اللي مش سايبة في حالي.

القهرة الحقيقية لما جالي إشعار على الموبايل، في صورة من صفحة واحد صاحبه.. كان عامل له حفلة بمناسبة (البيت الجديد). شوفت العفش، شوفت النجف، شوفت الستائر اللي كان نفسي أجيب زيها.. كل قطعة في البيت ده مدهونة بدمي، ومسددة من تعب أعصابي.

صرخت في سري: ‘يا رب، ده بيبني جنته بناري! ده بيفرش بيته بخراب بيتي!’ دخلت الحمام في الشغل، وقفت قدام المراية وفتحت الحنفية على آخرها عشان محدش يسمع صوت شهقاتي. غسلت وشي بمية تلج، وبصيت لنفسي بكرة.. كنت كارهة طيبيتي، كارهة ‘الأمان’ اللي خلاني أمضي على ورق يربطني بسلسلة في رجل واحد ميسواش.

وقفت وقلت لنفسي: ‘لحد إمتى يا أماني؟ لحد إمتى هتفضلي المكنة اللي بتطلع فلوس عشان الخاين يتفسح؟ لحد إمتى هتفضلي الضحية اللي الكل بيشفق عليها

دخلت البيت ورميت شنطتي على الكنبة، قعدت في الصالة المطفية والظلمة بتلف حواليا من كل جانب. مفيش صوت طالع غير ضربات قلبي اللي بتتسارع مع كل تكة من تكات الساعة.. “تيك تاك”.. وكأنها عداد تنازلي ليوم واحد في الشهر.

بصيت للموبايل اللي في إيدي، الإشعار لسه منور.. صورة “البيت الجديد” في دبي. النجف المنور، الصالون المودرن اللي متغلف بورق الشحن، والستائر الشيفون اللي بتتحرك مع الهوا.. كل ده وأنا هنا مش عارفة أشحن كارت الكهربا!

قمت وقفت قدام المراية في الصالة، النور الضعيف اللي جاي من الشارع كان عاكس وشي.. الهالات السودا تحت عيني بقت زي الوشم، الخسسان اللي في جسمي مغير ملامحي.. قولت لنفسي بصوت مبحوح: “أنتي مين؟ فين أماني اللي كانت ضحكتها بتملا المكان؟ فين الست اللي كانت بتدخل مكتبها في الشركة والكل بيعمل لها ألف حساب؟”

فجأة، تليفوني رن.. الرقم كان غريب، بس الكود بره مصر.. 00971.. كود الإمارات!

قلبي سقط في رجلي، إيدي اترعشت وأنا بفتح الخط.. كنت فاكرة، أو يمكن كان لسه جوايا حتة “مغفلة” عبيطة بتأمل إنه يتصل يقولي أنا آسف، أو يرجع لي حقي.

فتحت الخط وقولت بصوت متقطع: “ألو؟”

جالي صوته.. بس مش صوته هو، ده كان صوت “واحدة”.. صوت ناعم، بارد، فيه نبرة انتصار تق*تل:

* “ألو.. مدام أماني؟”

نطقت بالعافية: “أيوا.. مين معايا؟”

ردت ببرود مستفز: “أنا جيهان.. زوجة أحمد. بصي يا مدام، أنا بكلمك من تليفونه ومن وراه عشان أقولك كلمتين تلمي بيهم نفسك. أحمد قالي على كل حاجة، وقالي إنك لسه بتبعتي له رسايل وبتشحتي منه فلوس القرض. حابة أقولك إن أحمد مش هيدفع مليم، والقرض ده بتاعك أنتي.. والبيت اللي أنتي باصة لنا فيه ده، ده بفلوس تعبي أنا وشقايا أنا وأهلي، أحمد مش محتاج لفلوسك الفقر دي.. ياريت بقا تنسي الرقم ده خالص وتبعدي عن حياتنا، عشان أحمد بدأ يتضايق من رسايلك، وأنا مبرضاش بزعل جوزي!”

الخط قفل.. “طوط.. طوط.. طوط”..

السماعة فضلت على ودني وأنا مش سامعة حاجة.. الدنيا لفت بيا، الوجع المرة دي مكنش في قلبي، الوجع كان في دماغي.. حسيت بصداع رهيب كأنه سكاكين بتقطع فروة راسي.

“فلوس الفقر؟!”.. القرض اللي أنا لسه بدفع فوايده لحد النهاردة، القرض اللي بسببه برجع علبة الجبنة السوبر ماركت، وبتمشى في الشوارع عشان أوفر تمن المواصلات.. بقى اسمه “فلوس الفقر”؟! والهانم الجديدة بتكلمني بكل ثقة وبتتهمني إني “بشحت”؟!

نزلت على الأرض، قعدت وسندت ضهري على الحيطة الساقعة.. الدموع مكنتش راضية تنزل، كانت محبوسة جوه حنجرتي وبتخنقني. في اللحظة دي بالذات، حسيت إن فيه حاجة جوايا انكسرت ومستحيل تتصلح.. بس مع الكسرة دي، تولد شيء تاني.. شيء بارد وقاسي ومخيف.. تولد “الغل”.

تاني يوم الصبح، روحت الشغل.. نزلت من الميكروباص وأنا دايسة على الأرض بكل قوتي.. زمايلي في المكتب كانوا لسه بيبصوا لي بنظرات الشفقة والهمس.. قعدت على مكتبي، وفتحت الدفاتر، وبدأت أشتغل بوجع وعنف.

الساعة 12 الظهر، المدير طلبني تاني في مكتبه.. دخلت وأنا حاطة إيدي على قلبي.

المدير بص لي بنظرة حزينة وقالي: “يا أستاذة أماني.. أنتي من أكفأ الموظفين عندنا، بس الشؤون القانونية جالي منها جواب تاني من البنك.. البنك بدأ ياخد إجراءات الحجز التحفظي على جزء من المرتب بسبب تأخر السداد.. وده معناه إن الموقف مش وظيفي وبس، ده هيدخل في القضاء.. أنا بحذرك كأخ، اتصرفي في تمن الأقساط المتأخرة دي قبل ما الموضوع يوصل لفصل أو قض*ية مخلة بالشرف والوظيفة”.

طلعت من مكتب المدير.. مكنتش شايفة قدامي. المرة دي مروحتش الحمام أعيط.. المرة دي خرجت برا الشركة كلها.. مشيت في الشوارع لحد ما وصلت للفرع الرئيسي للبنك اللي أنا واخدة منه القرض.

دخلت البنك، وقفت في الطابور وأنا كلي بتنفض.. لما جه دوري، قعدت قدام الموظف.. قولتله بصوت ثابث بس مكسور: “أنا عايزة كشف حساب تفصيلي بالقرض، وعايزة أعرف الفلوس دي اتحولت على حساب مين بالظبط يوم ما طلعت؟”

الموظف بص في الكمبيوتر وقالي: “يا فندم، القرض طالع باسمك وأنتي استلمتيه كاش بموجب شيك مقبول الدفع”.

قولتله: “أنا عارفة.. بس الشيك ده اتمضى من ورايا؟ أو فيه أي تحويل رسمي حصل بعد كده؟”

الموظف دور شوية وقالي: “الشيك اتمضى وصُرف من فرع تاني.. اللي صرفه بموجب توكيل رسمي منك هو الأستاذ أحمد…”

“توكيل رسمي!”.. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. افتكرت!

يوم ما قالي هسافر وعايز أخلص ورق الشقة والتوثيق، عملت له توكيل عام شامل.. التوكيل اللي كان المفروض يخلص بيه ورق “حياتنا”.. هو استخدمه عشان يصرف الشيك باسمه ويهرب بيه!

طلعت من البنك وأنا ماسكة الورقة في إيدي.. الورقة دي كانت الدليل الوحيد.. دليل إني مش بس مغفلة، دليل إنه سحب الفلوس بنفسه وبشخصه من البنك بناءً على التوكيل ده قبل ما يلغيه أو قبل ما يسافر.

روحت على مكتب محامي صاحبة عمري.. دخلت عليه ورميت الورق على المكتب..

وقلتله وعيني فيها شرار لأول مرة: “أنا مش عايزة أعيط تاني.. أنا مش عايزة أبقى (غارمة).. أنا عايزة حقي.. قولي يا متر، التوكيل ده والورقة دي، يودوه في داهية؟”

المحامي مسك الورق، لبس نظارته وبدأ يقرا بتركيز.. ملامح وش الصارمة بدأت تتغير.. بص لي وقالي: “أماني.. أنتي عملتي التوكيل ده بتاريخ كام؟”

قولتله: “قبل الفرح بأسبوع”.

قال وهو بيبتسم ابتسامة غامضة: “والشيك اتصرف بتاريخ كام؟”

بصيت في الورقة وقولت: “بعد الفرح بشهر.. يوم ما قالي إنه مسافر”.

المحامي خبط على المكتب وقالي: “أحمد غبي.. هو فاكر إنه لما يهرب بره مصر يبقى محمي.. الصرف بناء على التوكيل ده في تاريخ لاحق، ومع وجود إثباتات ورسائل بينكم بيطلب فيها الفلوس دي كقرض شخصي منِك ليه عشان يسافر.. ده يخليني أرفع قض*ية (خيانة أمانة واستيلاء على أموال).. والنوع ده من القضايا، حتى لو هو بره مصر، بيصدر فيه أحكام غيابية.. والأحكام دي بتنزل على كمين المطار.. يعني يوم ما يفكر ينزل مصر، أو يجدد جواز سفره في القفص الذهبي اللي في دبي.. هيتكلبش!”

حسيت بنبضة أمل لأول مرة من شهور.. بس النبضة دي كانت ممزوجة بمرارة..

“يعني هقدر أخد حقي؟” سألته والخوف جوايا.

المحامي قالي: “هناخد حقك قانونياً.. بس القض*ية دي هتاخد وقت، وفترتها أنتي ملزمة تدفعي للبنك عشان متتسجنيش.. لازم تجمعي تمن الأقساط المتأخرة فوراً عشان نوقف إجراءات البنك”.

خرجت من مكتب المحامي.. الدنيا بدأت تضلم تاني.. هرجع منين الأقساط المتأخرة؟ المرتب مبيكفيش، وأنا بقيت بشتغل شفتين وصحتي بدأت تنهار..

رجعت البيت.. فتحت الدولاب.. وبصيت لـ “هدوم السفر” اللي كنت شاريها له.. الهدوم اللي جيهان بتقول عليها “فلوس الفقر”..

جمعت كل حاجة.. بدلتها في أكياس سودا كبيرة.. ونزلت بيها في وسط الليل.. روحت لسوق المستعمل.. وبعت كل لبسه، وكل حاجة كانت تخصه بمليم، عشان أجمع تمن أول قسط متأخر للبنك.. كنت ببيع ذكرياتي، ببيع قهرتي بالرخيص، عشان أحمي نفسي من السجن.

وأنا راجعة في المواصلات، تعبانة وجسمي مهدود، جالي إشعار تاني من الفيسبوك.. المرة دي مكنش ستوري ليه.. المرة دي كانت (تاغ) من واحدة صاحبتي كاتبة لي: “أماني.. شوفي اللي منزله أحمد على صفحته حالاً!”.

فتحت الصفحة بإيد بتترعش.. لقيت بوست كاتب فيه: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. تم شراء سيارتي الجديدة في دبي”.. وحاطط صورة لعربية فارهة، وجنبه جيهان وهي ماسكة المفتاح..

وتحت في التعليقات.. كاتب رد على واحد صاحبه بيسأله: “يا عم منين ده كله؟”.. رد أحمد بوقاحة: “مصر دي بلد الخير.. فيها مغفلين بيشتغلوا عشان احنا نعيش!”.

في اللحظة دي.. الدم غلي في عروقي.. مبقتش أماني الضعيفة.. مسكت التليفون.. ودخلت على الشات بتاعه اللي مكنش بيرد عليه.. وكتبت له رسالة واحدة:

“يا أحمد.. العربية الجديدة حلوة.. والبيت الجديد منور.. بس افتكر الكلمة دي كويس: (الساقية اللي أنا مربوطة فيها وبتسحب دم سداد للقرض.. هي نفس الساقية اللي حبلها هيلف حوالين رقبتك قريب.. والوعد بينا مش في الآخرة.. الوعد بينا في المطار)”.

عملت إرسال.. وشوفت الرسالة وهي بتتحول لـ (Read).. لأول مرة من سنة.. هو قراها في نفس اللحظة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *