مراتي

رمراتي كانت بتشتغل في مصنع 12 ساعة كل يوم عشان تساعدني أدفع مصاريف كلية أختي… ويوم فرح أختي، وقفت على باب القاعة ومنعتها تدخل عشان أمي قالت إن هدومها تكسفنا.
وقفت قدامي بفستانها البسيط، وإيديها اللي خشنتها الماكينات ماسكة علبة هدية صغيرة.
بصتلي وقالت:
—يعني إنت كمان مش عايزني أدخل يا أحمد؟
ماقدرتش أبص في عينيها.
قلت:
—معلش يا منى… النهارده يوم أختي، وماما مش عايزة مشاكل.
سكتت ثواني.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة لحد النهارده بتطاردني.
—حاضر يا أحمد. ربنا يسعدها.
ادتني علبة الهدية ومشيت.
دخلت القاعة وأنا مقتنع إني حليت المشكلة.
أمي كانت فرحانة.
أختي بتتصور.
والناس بتاكل من بوفيه فرح اتدفع جزء كبير منه من فلوس مراتي.
بعد نص ساعة، أختي فتحت علبة الهدية.
كان جواها مفتاح شقة.
وشيك بمبلغ كبير.
وورقة مكتوب فيها:
«لأخت جوزي اللي اعتبرتها أختي… دي الشقة اللي كنت بشتغل 12 ساعة عشان أساعد أخوكي يجهزهالك.»
القاعة كلها سكتت.
أمي بصتلي.
—هي منين جابت الفلوس دي؟
وقبل ما أرد، دخل راجل كبير القاعة وسأل:
—فين مدام منى؟
قلت:
—مشيت.
وشه اتغير.
—إنتوا خليتوها تمشي؟
أمي قالت بضيق:
—وإنت مالك؟
الراجل بص لها، وبعدين طلع ملف من شنطته وحطه قدامنا.
—أنا محامي والد منى.
ضحكت أمي وقالت:
—أبوها اللي مات وهي صغيرة؟
رد:
—والدها ما ماتش.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
فتح الملف وقال:
—والدها كان واحد من أكبر أصحاب المصانع في مصر. وقبل وفاته من شهر، كتب كل ممتلكاته لبنته الوحيدة.
بصيت ناحية باب القاعة.
الرجل كمل:
—ومن ضمن الممتلكات… المصنع اللي كانت منى بتشتغل فيه.
أمي شهقت.
أما أنا، فافتكرت حاجة أخطر.
قبل ما منى تمشي، كانت طلبت مني أمضي على ورقة.
قالت إنها مجرد إجراءات عشان قرض الشقة.
جريت ناحية علبة الهدية وفتشتها.
كان جواها ظرف تاني باسمي.
فتحته بإيد بتترعش.
فتحت الظرف بإيد بتترعش والناس كلها عينيها عليا، أختي سابت عريسها ووقفت مذهولة، وأمي كانت لسه بتحاول تستوعب صدمة المحامي. سحبت الورقة اللي جوه الظرف، وبمجرد ما عيني وقعت على الكلمات اللي فيها، حسيت ببرودة الموت بتسري في جسمي.
الورقة ما كانتش إجراءات قرض ولا شقة.. دي كانت ورقة طلاق وتنازل!
منى كانت مجهزه كل حاجة، وممضيا وموثقا كل حاجة في الهدوء اللي سبت به العاصفة. الورقة كان مكتوب فيها:
«أنا، أحمد عبد الرحمن، أقر بطرد زوجتي منى من قاعة زفاف شقيقتي، وأوافق على انفصالنا بشكل نهائي مع إبراء ذمتها من أي حقوق زوجية، وأقر بقراري هذا بكامل إرادتي.»
وتحت الكلمات دي، كان فيه ملحوظة صغيرة بخط إيدها اللي حفظته:
«الورقة دي وموافقتك اللي مضيتها بنفسك هي تمن حريتي يا أحمد. الشقة والشيك هدية لأختك عشان أنا بأصل العيلة مش بفلوسها، بس من اللحظة دي.. إنت برا حياتي وبرا مصنعي.»
المحامي بص على الورقة اللي في إيدي وابتسم بسخرية مريرة، وقال وهو بيقفل شنطته:
— مدام منى كانت عارفة كويس إنك هتنزل من عينك وعين نفسك النهارده، عشان كده طلبت مني آجي القاعة في الوقت ده بالذات.. عشان تدوقوا طعم النتيجة سوا. أستأذنكم.. المصنع من بكره الصبح هيقفل أبوابه في وشك يا أستاذ أحمد، لأن الإدارة الجديدة قررت الاستغناء عن خدماتك.
المحامي مشي، والقاعة اللي كانت من شوية مليانة زغاريط وفرحة، اتحولت لسرادق عزا. المزيكا وقفت، والمعازيم بدؤوا يتهامسوا ويبصوا لنا بنظرات كلها شماتة واحتقار. أختي قعدت على الكرسي وهي ماسكة مفتاح الشقة والشيك وبتعيط بانهيار، وبتقول لأمي:
— شوفتي؟ شوفتي الهدوم اللي كانت مكسفاكي عملت فينا إيه؟ دي شقتي اللي كنت هموت عليها! دي الفلوس اللي كانت هتسترني قدام أهل جوزي! منى اللي طردتوها هي اللي عملت عزي!
أمي وقفت مكانها زي الصنم، وشها اصفر وعينيها زاغت، حاولت تتكلم وتدافع عن نفسها وتقول: “أنا كنت فاكراها حتة حتة عاملة غلبانة.. أنا كنت خايفة على منظرك يا أحمد!” بس صوتها خرج مخنوق وضد المنطق.
أنا ما سمعتش كلامهم، وما ردتش على حد. سيبت القاعة وجريت في الشارع زي المجنون ببدلة الفرح. كنت بكلم نفسي وبدور في الشوارع المحيطة بالقاعة زي اللي ضيع روحه. منى كانت فين؟ مشيت إزاي؟ ركبت إيه؟
افتكرت شكلها وهي واقفة على الباب، فستانها البسيط اللي اشترته من حر مالها عشان ما تكلفنيش قرش، وإيديها الخشنة اللي شقيت في المكن عشان تدفع مصاريف كلية أختي وتجيب لها جهازها. افتكرت طيبتها وصبرها على إهانات أمي السنتين اللي فاتوا، وتنازلها عن كل حاجة عشان “أحمد وظروف أحمد”.
وصلت البيت وأنا بنهج، طلعت السلم تلات درجات تلات درجات، فتحت الباب وكنت أتمنى ألاقيها قاعدة في الصالة مستنياني وتقولي إن ده مقلب، أو إنها بتعلمني درس.. بس البيت كان ضلمة وهس، وريحتها كانت لسه مآنسة المكان.
دخلت الأوضة، لقيت دواليبها مفتوحة ومفضية كل هدومها القديمة. ما سابتش وراها فتلة واحدة، كأنها بتمسح وجودها من شقتي ومن حياتي. قعدت على الأرض وبكيت لأول مرة من سنين.. بكيت بدموع قهر وندم حرقوا قلبي، عرفت إني خسرت الدهب عشان خاطر التراب، وإني بعت الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد عشان خاطر “منظر كداب”.
تاني يوم الصبح، روحت على المصنع. كنت لسه بملابس عادية وعينيا منفوخة من قلة النوم. أول ما وصلت، لقيت أفراد الأمن واقفين على البوابة، ومنعوني أدخل.
قلت لهم بذهول:
— إنتوا بتمنعوني أنا؟ أنا أحمد المشرف العام!
واحد منهم رد عليا بأسف:
— معلش يا أستاذ أحمد.. دي أوامر مباشرة من رئيس مجلس الإدارة الجديد. حضرتك مالكش دخول هنا، وحاجتك الشخصية اللي في مكتبك مبعوتة على عنوان بيتك مع مندوب.
وفي اللحظة دي، دخلت عربية سودا فخمة من بوابة المصنع. الإزاز الوراني نزل بالراحة.. وكانت منى.
كانت لابسة لبس غالي وأنيق، ووشها هادي وصافي، بس عينيها مفيش فيها أي لمعة حب ليا، كانت نظرة باردة لدرجة إنها جمدت الدم في عروقي.
جريت على العربية ووقعت على ركبي جنب الباب، ودموعي نازلة:
— منى.. عشان خاطر ربنا اسمعيني. أنا أسف، أنا كنت غبي وعميت، أمي هي السبب.. أنا بحبك ومش عايز فلوس ولا مصانع، أنا عايزك إنتي بس! ارجعيلي يا منى ومتخربيش بيتنا!
منى بصتلي ثواني، ابتسمت نفس الابتسامة الوجيعة بتاعة ليلة الفرح، وقالت بصوت قوي وناشف عمري ما سمعته منها قبل كده:
— بيتنا اتخرب يوم ما وقفتني على الباب يا أحمد.. يوم ما شوفت إيدي الخشنة ومفتكرتش إنها خشنت عشانك وعشان أهلك. الفلوس والمصنع دول بتوع أبويا الله يرحمه، وأنا كنت بشتغل في المصنع ده بالذات عشان أكون قريبة من العمال وأفهم الشغل قبل ما يستلم المحامي التركة ويخلص الإجراءات.. كنت بشتغل بتعب إيدي عشان أثبت لنفسي وإليك إن الست بأصلها وشقاها. بس إنت وأهلك سقطتوا في الإختبار.
حاولت أمسك إيدها، بس رفعتها بسرعة وقالت للسواق: “اطلع يا عم محمد”.
العربية مشيت وسابتني وراها في تراب الشارع، والعمال اللي كنت بتحكم فيهم واقفين يتفرجوا عليا وعلى ذلي. رجعت البيت وأنا مكسور، لقيت أمي وأختي قاعدين في الصالة بيصرخوا؛ عريس أختي لما عرف باللي حصل، واكتشف إن الشقة والشيك باسم أختي من منى مش من طريقي أنا، وعرف إن منى بقت صاحبة المصنع وأنا اتمشيت، خاف من المشاكل ومن شكلنا وقرر يفسخ الجوازة ويرد لها حاجتها!
أمي أول ما شافتني جريت عليا وقالت:
— الحقنا يا أحمد! العريس هيضيع البنت! اتمسح بأعتاب مرتك، بوس رجليها، خليها ترجعلك وتنقذنا من الفضيحة!
بصيت لأمي بنظرة كلها كره، وصرخت بأعلى صوتي:
— إنتي السبب! إنتي اللي ضيعتيني وضيعتي أختي! اتمسح بمين؟ منى خلاص مبقتش منى الشغالة.. منى بقت فوق، وإحنا اللي بقينا في الأرض!
قعدت في ركن الأوضة وأنا حاسس إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن اللي جاي من منى هيكون أصعب بكتير من مجرد طرد واستغناء.. منى كانت بتخطط لحاجة تانية تهد بيها كل اللي باقي من كبريائي.
