لقيت

لقيت حماتى بتكلمنى وبتقولى يا ثناء عايزاكى تعملى جمعيه من مرتبك وتقبضيها الاول وتديهانى انتى عارفه هند اتخطبت وعايزه اكملها الناقص وجوزك كمان يعمل جمعيه بجزء من مرتبه
انا موظفه وقبضى كويس وجوزى كمان موظف جزء من مرتبى وجزء من مرتبه والدنيا بتمشى ومتعودين نعمل جمعيات عشان لو احتاجتا حاجه لبس او حاجه باظت فى البيت نقدر نغيرها من غير مانكلب حاجه من حد
فى يوم لقيت حماتى بتكملنى وعايزه تاخد ربع مرتبى تعمل بيه جمعيه وبتقولى مش مشكله لو انتى وجوزك جيتوا على نفسكم شويه وعيالكم لسه صغيرين بدل ماتوديهم حضانه وفرى فلوسها وزكريلهم انتى وابوهم ومش كل يوم لازم تملوا السفره اكل اهم حاجه نستر اخت جوزك ونجوزها بحاجات تشرف
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش من كتر الضغط، وقلت لها بصوت محاوله أخليه هادي ومستقر: “يا طنط، أنا مش فاهمة حضرتك بتتكلمي عن إيه بالظبط.. هو إيه اللي ناقص هند عشان تقوليلي أعمل جمعية وأجيب أجهزة؟ قوليلي إيه هي الحاجة الناقصة عشان أبقى فاهمة إنتي طالبة إيه؟”
سكتت لحظة، وبعدين سمعت صوتها وهي بتقولي بمنتهى البساطة وكأنها بتطلب كباية شاي: “بصي يا ثناء، هند بنتي خطوبتها قربت ولازم نجهزها بجهاز يشرفنا قدام الناس، وأنا حسبتها ولقيت إن ناقصها غسالة أطباق وميكرويف وتكييف وأير فراير، ده غير الديب فريزر.”
كملت وهي بتوزع الطلبات عليا وعلى ابنها: “جوزها هيجيب تكييف واحد وهي التاني، فعشان كده أنا رتبت الأمور، إنتي تعملي الجمعية وتجيبي غسالة الأطباق والميكرويف، وأحمد ابني يجيب الديب فريزر والأير فراير.. وكده نبقى خلصنا كل الحاجات دي بدري بدري والبيت يتفرش.”
وقفت مصدومة، الكلمات وقفت في زوري، غسالة أطباق؟ وميكرويف؟ وتكييف؟ دا أنا بيتي اللي أنا عايشة فيه بقالي سنين ما كملتش فيه الرفاهيات دي كلها، وعايزاني أفرش لبيت أخت جوزي من مرتب شغلي وتعب أيامي؟ حصرى فقط لصفحتى قصص وروايات أمانى سيد بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي بدأ يترعش من كتر الغيظ المكتوم، وقلت لها: “يا طنط.. حضرتك بتقولي إيه؟ إنتي عارفة الأسعار دلوقت بقت عاملة إزاي؟ دي أجهزة مش بآلاف قليلة، دي ميزانية تانية خالص! إزاي أعمل جمعية بكل ده وأنا ورايا التزامات لولادي ومدارسهم ومصاريف البيت؟”
الكاتبه المميزه أمانى سيد
حضرتك انا مش معايا فلوس اجيب الأجهزة دى فى بيتى أصلا
لقيتها ولا كأن كلامي أثر فيها، وكملت ببرود أشد من الأول: “يا بنتي بلاش كتر كلام، إنتي وأحمد بتقبضوا كويس، يعني لو ضغطتوا على نفسكم شوية، وحرمتوا العيال من خروجات ملهاش لازمة، ولا وفرتوا مصاريف الحضانة اللي بترموا فيها الفلوس، هتجيبوا كل ده وأحسن كمان. وبعدين دي أخت جوزك، يعني لازم تجيب حاجة تشرف، عشان أهل جوزها ما يتكلموش عليها
قصص وروايات أمانى سيد
أخدت نفس عميق وحاولت أجمع شتات نفسي، وصوتي طالع منه نبرة هادية بس واضحة جداً، رديت عليها وأنا بحاول أفهمها وجهة نظري من غير ما أفتح باب خناق:
“يا طنط، أنا مش بجادلك ولا بعترض على إننا نساعد هند، دي أخت جوزي ومن لحمنا ودمنا. بس حضرتك لازم تقدري موقفي وموقف أحمد. إحنا في بداية جوازنا وأحمد جاب لها بوتاجاز وحاجات أساسية كانت في مقدرته وقتها، وده كان حقها علينا وفرحنا بيه جداً، إنما الأجهزة اللي حضرتك بتطلبيها دلوقتي دي، من غسالة أطباق لميكرويف لتكييف وأير فراير، دي حاجات فوق طاقتنا بكتير.
دي مبالغ ضخمة جداً يا طنط، حتى لو عملت جمعية زي ما حضرتك بتقولي، ده معناه إني هضغط على ميزانية بيتي وأحرم ولادي من أساسياتهم لمدة شهور طويلة، وإحنا يدوب ماشيين أمورنا بالعافية عشان نقدر نوفر ليهم حياة كريمة.”
لقتها ردت بمنتهى البرود وقالتلى
ـ اشتغلى شغل تانى انتى وجوزك
وبعدها ردت بنبرة مليانة حدة: “يا ثناء، أنا مش بطلب منك المستحيل، أنا بطلب منك تقفي مع أهل جوزك، وبعدين كلامك عن ‘الأساسيات’ ده كلام فاضي، الدنيا اتغيرت والناس بقت بتقيم بعض بالأجهزة اللي في البيت. إنتي عايزة أخت جوزك تروح بيت جوزها ناقصة حاجة؟”
حاولت أتماسك أكتر، ولقيت نفسي بقولها بوضوح: “يا طنط، أنا مش بجادلك، بس لازم حضرتك تتفهمي وضعنا. أحمد في أول الخطوبة جابلها بوتاجاز وحاجات أساسية كان في مقدرته وقتها، وده كان من عرق جبينه وفرحنا بيه جداً، إنما الأجهزة اللي حضرتك بتطلبيها دلوقتي دي، من غسالة أطباق لميكرويف لتكييف وأير فراير، دي حاجات فوق طاقتنا بكتير. أنا مش برفض المساعدة، أنا برفض إننا نضغط على نفسنا لدرجة إننا نبيع أساسيات بيتنا عشان نشتري رفاهيات لبيت تاني!”
قاطعتني بصوت أعلى: “مش رفاهيات يا ست هانم، دي “واجهة” البنت! وأنا كنت فاكراكي أذكى من كده وعارفة مصلحة بيتك، بس واضح إنك مش عايزة تشيلي معانا الهم.”
قفلت السكة وهي بتتمتم بكلام مش مفهوم، وأنا فضلت واقفة في مكاني، الموبايل لسه في إيدي. دقات قلبي مش عايزة تهدى، وبدأت أفتكر أيام ما كنا بنفرش بيتنا بالقرش على القرش، وكيف كان أحمد بيحاول يوفر كل حاجة بالمعقول. السؤال دلوقتي.. هل أحمد لما يرجع هيقدر يوقف قصاد ضغط أمه، ولا هيحس بالذنب ويوافق على اللي طلبته، وتدخل حياتنا في دوامة من المشاكل عشان “المنظرة” اللي أمه مصممة عليها؟
ما كملتش ساعة على المكالمة، وكنت لسه بحاول أهدأ وألملم شتات نفسي وأفكر هقول لأحمد إيه، لقيت جرس الباب بيرن.. قمت أفتح وأنا فاكرة أحمد رجع بدري، لقيت “حماتي” واقفة قدامي بشنطتها وابتسامة غامضة على وشها، ودخلت البيت وكأنها داخلة بيتها، وهي بتقول: “قولت أجيلكم عشان نخلص الموضوع ده ونحط النقط على الحروف، عشان هند خطوبتها قربت والوقت بيسري بينا.”
قلبي وقع في رجلي، حسيت إنها جاية ومعاها نيتها الأخيرة عشان تجبرنا. مفيش دقايق وأحمد جه، اتفاجئ بوجودها، وبص لي بنظرة سريعة، كأنه بيسألني “إيه اللي جابها؟”.
قعدت حماتي بتقل، وبدأت كلامها وهي بتوجه كلامها لأحمد مباشرة: “يا أحمد يا ابني، أنا جيت النهاردة عشان نهدي النفوس، وأنا عارفة إن ثناء دماغها ناشفة شوية، بس إنت راجل البيت وعارف إن أختك لازم تخرج من بيتي بجهاز يشرفها، والناس هتاكل وشي لو جهزتها ناقصة.”
أحمد قعد قدامها، ملامح وشه كانت متوترة، وبص لي وبص لأمه وقال بصوت خافت: “يا أمي، إحنا لسه متكلمين في التليفون، والظروف صعبة، إيه لازمة المشوار ده؟”
حماتي ما استنتش تكملة كلامه، وطلعت ورقة من شنطتها وحطتها قدامنا على التربيزة وقالت بحدة: “أنا مش جاية أتناقش يا ابني، أنا جاية أقولك اللي يرضي ربنا.. دي لستة الأجهزة اللي لازم تخلص قبل الخطوبة، والجمعية اللي ثناء تعملها هتبقى هي اللي هتجيب الغسالة والميكرويف، وإنت عليك الباقي. مش عايزة أسمع كلمة ‘لا’، لأن ده حق أختك عليك، وإلا هتبقى بتبيعني عشان خاطر كلام مرتك!”
بصيت لأحمد، كان ساكت، عيونه مكسورة بين طاعته لأمه وخوفه على بيته اللي بيبنيه بدم قلبه.. حسيت إن اللحظة دي هي اللي هتحدد شكل حياتنا الفترة الجاية.. إما أحمد هيقف ويحط حد للمهازل دي، أو إحنا هنغرق في ديون عشان نرضي “منظرة” ماليهاش لازمة.
