مراتي

مراتي وقفت جنبي وأنا مكنش في جيبي غير كام جنيه… عمرها ما عايرتني ولا اشتكت… النهارده ربنا كرمني وبقى أقدر أفتح بيتين… لكن هي مبتخلفش، ولما قولتلها عايز أتجوز، قالتلي كلمة واحدة هدتني من جوا…!

 

أقسم بالله… لو حد كان قالي من عشر سنين إن الفلوس ممكن تبقى أرخص حاجة في الدنيا، كنت هضحك ومش هصدقه. أنا اتجوزت وأنا مجرد موظف بسيط، مرتبي بالعافية يكفي إيجار الشقة، وفواتيرها، ومصاريف آخر الشهر. ساعات كنا نستلف لحد ما ينزل القبض. لكن رغم كل ده… عمري ما حسيت إني فقير. عارفين ليه؟ عشان كانت معايا هي. مراتي عمرها ما سألتني: قبضت كام؟ ولا مرة قالت: أنا مستحقة أعيش أحسن من كده. ولا حتى سألتني معانا كام في البنك. كانت شايفة إن الرزق من عند ربنا… وإن اللي في جيبي هو رزقنا إحنا الاتنين…

أوقات كنت أرجع البيت ومعايا فلوس بالكاد تكفي عشا بسيط… وأدخل وأنا مكسوف من نفسي. لكن أول ما أحط الأكل قدامها كانت تبتسم وتقول: الله… نفسي كانت فيه. وأفضل أبص لها وأقول بيني وبين نفسي: هي بجد فرحانة… ولا بتحاول تهون عليا؟ كانت تاكل وهي مبتسمة، كأنها قاعدة على سفرة في أفخم مطعم. ولا مرة كسرتني. ولا مرة حسستني إني مقصر. كانت دايمًا تقول: إحنا فريق واحد… لو معاك لقمة، فهي بتاعتنا إحنا الاتنين. الجملة دي كانت بتمسح من قلبي تعب الدنيا كلها.

 

مرت السنين… اشتغلت شغل إضافي. سهرت ليالي. اتعلمت. دخلت مشاريع صغيرة. في مشاريع نجحت. وفي مشاريع خسرت فيها كل اللي حوشته. لكن في كل مرة كنت أقع… كانت هي أول واحدة تمد إيدها وتقولي: قوم… لسه ربنا مخبيلنا خير كتير. وفعلًا… ربنا فتحها علينا. المرتب زاد. والمشروع كبر. واشتريت عربية. وبقى عندي شقة واستثمار. الناس كلها كانت تقول: يا بختك. وأنا كنت ببص عليها وأقول: البخت الحقيقي… هو الست دي.

 

لكن… كان في باب واحد لسه مقفول. باب الأطفال. في أول سنة قلنا لسه بدري. تاني سنة قلنا نصيب. تالت سنة بدأ القلق يدخل قلوبنا. وبعدها بقينا ما بين دكتور ودكتور. تحاليل. أشعة. أدوية. حقن. عمليات بسيطة. دعاء. قيام ليل. وعمرة. عملنا كل اللي نقدر عليه. لكن كل مرة كنا بنسمع نفس الجملة: لسه… ربنا مأذنش. الدكتور طلب مني أعمل تحاليل. عملتها. والنتيجة كانت مطمئنة. بعدها طلب من مراتي تعمل الفحوصات. ولما النتائج ظهرت… سكت شوية. وبعدين قال بهدوء: المشكلة عند الزوجة.

حكايات_مني_السيـد

بصيت عليها… لقيت لون وشها اتغير. وعينيها امتلوا دموع. رجعنا البيت وهي ساكتة. دخلت أوضتنا وقفلت الباب. ولأول مرة في حياتنا… سمعتها بتعيط بصوت. دخلت عليها. لقيتها بتقول وهي مخبية وشها: أنا حرمتك من أجمل نعمة. حضنتها وقلت: إوعي تقولي كده. قالت وهي بتبكي: أنا السبب. قلت لها: لا… دي إرادة ربنا، وإحنا هنرضى بيها. لكنها فضلت كل يوم تلوم نفسها. وأنا كل يوم أحاول أرجع لها ابتسامتها. كنت مقتنع إن وجودها في حياتي نعمة كبيرة، وإن الأطفال رزق ييجي في وقته…حصري علي صفحة روايات و اقتباسات…

عدت سنة… واتنين… وتلاتة… وبدأ كلام الناس يزيد. أمي تقول: لازم تشوف مستقبلك. أختي تقول: مين هيشيل اسمك بعدك؟ وأصحابي يقولوا: ربنا محلل أربعة. كنت أهرب من الكلام… لكن الكلام كان بيلحقني في كل مكان. لحد ما في يوم… وأنا راجع من الشغل… لقيت صاحبي القديم مستنيني. قعدنا على القهوة. وبعد كلام طويل… بصلي وقال: إنت لسه صغير… وربنا موسعها عليك… ليه تحرم نفسك من إن يبقى عندك ابن؟

 

الكلمة فضلت تلف في دماغي طول الطريق. رجعت البيت. لقيتها مجهزة العشا كالعادة. ابتسمتلي. لكن المرة دي… أنا ما قدرتش حتى ألمس الأكل. فضلت أبصلها. هي لاحظت وسألتني: مالك؟ قلت: عايز أتكلم معاكي. اختفت ابتسامتها. وقعدت قدامي. وقالت بهدوء: خير؟ فضلت ساكت شوية… وقلبي بيدق بعنف. وبعدين طلعت الكلمة بصعوبة: أنا… بفكر أتجوز. فضلت تبصلي. من غير دموع. من غير صوت. كأن الزمن كله وقف. وبعد لحظات طويلة… رفعت عينيها في عيني وقالت :……..!!!

قالت بهدوء قاتل، ونبرة صوتها كانت أبرد من الثلج، لكنها هزت جدران قلبي: “كنت مستنية اليوم ده يا أحمد.. بس مكنتش فاكرة إن الفلوس لما هتكتر في جيبك، أول حاجة هتشتري بيها هتبقى كسر خاطري.”

الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. كنت متوقع تصرخ، تعيط، تشتكي، تذكرني بأيام الجوع والكسرة.. لكن هدوءها ده كان أبشع من أي خناقة. قامت من قدام الأكل، ودخلت الأوضة بكل هدوء، لمت هدومها في شنطة واحدة، وخرجت وقفت قدامي وهي ماسكة يد الشنطة وقالت: “أنا عمري ما هقف في طريق حلمك، ولا هحرمك من كلمة ‘بابا’ اللي نفسك تسمعها.. بس زي ما دخلنا بالمعروف، نخرج بالمعروف. طلقني يا أحمد، لأني مش هقدر أعيش في بيت نص قلبه مش بتاعي.”

نزلت كلماتها عليا هدت كل اللي بنيته في سنين. حاولت أتحرك، حاولت أمسك إيدها، أقولها إني مش هطلقها وإني عايز أفتح بيتين وستظل هي الأساس، لكن لساني كان مشلول. خرجت وقفلت الباب وراها.. وفجأة، الشقة الواسعة الفخمة اللي بقيت قادر أدفع إيجارها ومصاريفها، اتحولت لقبر ضيق ومظلم. الفلوس اللي في الخزنة بقت ملهاش أي قيمة، والأكل اللي على السفرة اتسمم بوجعها.

قعدت على الكرسي وأنا حاطط راسي بين إيديا، وكلام أمي وأختي وصحابي اختفى تمامًا من دماغي، ومبقاش بيتردد في ودني غير صوتها هي.. صوتها وهي بتقولي في عز أزمتي: “إحنا فريق واحد.. لقمة واحدة هتكفينا.”

فات أسبوع كامل وأنا مش عارف أدوق النوم، ولا عارف أروح لها بيت أهلها وأواجه أبوها وأخواتها. في وسط عذابي ده، تليفوني رن.. كان الدكتور اللي بنتابع معاه من سنين. ردت بصوت مخنوق، لقيت الدكتور بيقولي بنبرة فيها دهشة ممزوجة بجدية: “أستاذ أحمد.. أنا راجعت فحوصات مدام نجوى الأخيرة اللي عملتها قبل ما تقطعوا المتابعة، وبعتها لبروفيسور برة مصر.. في حاجة إحنا مكناش واخدين بالنا منها في التحاليل القديمة، ونسبة الأمل موجودة وبقوة، بس محتاجة تدخّل جراحي دقيق برة مصر.. إنت جاهز للمصاريف دي؟”

الدم جمد في عروقي.. المصاريف؟ أنا معايا فلوس تفتح بدل البيت تلاتة.. بس الست اللي هسافر عشانها مشيت.. مشيت ومكسورة بسببي!

 

قفلت السكة مع الدكتور وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا. الوجع بقا وجعين؛ وجع إني كسرتها في وقت كان الأمل فيه لسه بيمد إيده لينا، ووجع الخوف من إني أكون خسرتها للأبد. الفلوس اللي كانت السبب في إني أتجرأ وأفكر أتجوز عليها، هي هي الفلوس اللي دلوقتي ملهاش أي قيمة لو مكنتش نجوى معايا عشان نصرفها على علاجها.

نزلت جري من الشقة، ركبت عربيتي وسوقت بأقصى سرعة لبيت أهلها. طول الطريق كنت بدعي ربنا إنها ترضي تسمعني، أو حتى تديني فرصة أكفر بيها عن غبائي. وصلت، ووقفت قدام باب بيتهم وقلبي بيدق بعنف.. خبطت، وفتحلي أخوها الكبير “محمود”. ملامحه كانت جامدة ومفيهاش أي ترحيب، بصلي وقال بنبرة جافة: “عايز إيه يا أحمد؟”

قلتله بنبرة رجاء: “محمود.. أنا عايز أشوف نجوى، أرجوك.. الموضوع حياة أو موت.”

رد عليا بقسوة: “نجوى مش عايزة تشوفك، والشنطة اللي هي جت بيها، ملهاش رجوع لبيتك تاني.. إحنا كلمنا محامي عشان الطلاق يخلص بالمعروف زي ما هي طلبت.”

في اللحظة دي، سمعت صوت حركة ورا الباب، ولمحت طرف عبايتها. عرفت إنها واقفة بتسمع. عليت صوتي عشان يوصلها وقلت ونموعي نازلة: “يا نجوى.. أرجوكي اسمعيني.. الدكتور كلمني.. الدكتور قال إن في أمل كبير.. التحاليل القديمة كان فيها لبس، وفي بروفيسور برة مصر أكد إن بعملية دقيقة كل حاجة هتبقى تمام.. نجوى.. أنا معايا الفلوس، ومعايا عمري كله ليكي.. أنا كنت غبي، الشيطان عماني بكلام الناس.. بس أنا مش عايز أطفال لو مش منك إنتي.. أنا مش عايز الدنيا كلها لو مش معايا!”

الدنيا سكتت تمامًا لثواني.. ومحمود كان لسه هيزعق فيا ويقفل الباب، بس إيد نجوى اتمدت وفتحت الباب على آخره. بصيت عليها.. كانت خاسة، وعينيها دبلانة من كتر العياط، بس كان فيها كبرياء غريب.

بصتلي وقالت بصوت واطي ومتحشرج: “الأمل ده جه متأخر قوي يا أحمد.. جه بعد ما شوفت غلاوتي عندك كام.. جه بعد ما عرفت إنك مستعد تبيع السنين اللي عشناها على الحلوة والمرة عشان عيل.. أنا مش هسافر معاك، ومش عايزة اتعالج بفلوسك.. روح اتجوز اللي تخلفلك يا ابن الناس، وسيبني في حالي.”

جيت أقرب منها وأمسك إيدها، لكنها رجعت خطوة لورا وقالت لمحمود: “اقفل الباب يا اخويا.. الكلام خلص.”

قفل محمود الباب في وشي.. وسبت نفسي ووقعت على الأرض قدام شقتهم وأنا ببكي بحرقة.. عرفت إن كسر الخواطر مبيصلحوش الفلوس، وإن الست اللي بتستحمل معاك الفقر، كرامتها عندها بالدنيا كلها.. بس أنا مش هستسلم، مش هسيبها تضيع مني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *